اللائحة التنفيذية لنظام حقوق المؤلف؛ أحكامٌ تحمي الإبداع
بقلم: بتول الزهراني.
تدقيق: عبدالعزيز العيد.
المقدمة: من يملك حقّ المصنف حين لا يعود كما كان؟
سؤالٌ لم يكن ليأخذ هذا القدر من الأهمية في السابق؛ فمنذ أن عرف الإنسان معنى أن يخلق شيئًا لم يكن كان الإبداع أوسع من أن تحيط به صورةٌ واحدة، فقد تستقرُّ الفكرةُ في كتاب وتتمثَّلُ في لوحة ثم لا تلبث أن تجد لها في كل عصر سبيلًا إلى الظهور والانتشار … وقد كان لذلك أثره في تطوّر تنظيم حقوق المؤلف؛ فكلما اتسعت دائرة الإبداع اتسعت معها تبعًا صور المصنّفات، وكلما تبدلت وسائل إتاحتها واستغلالها نشأت إلى جانبها مسائل مستحدثة وأصبح من مقتضى الحماية ألا تقف عند ما استقر عليه المألوف، بل أن تمتد إلى ما يستحدثه الواقع ما دام متصلًا بالمصنّف وحقوق مؤلفه.
وبين ثبات الحق وتغيّر وسيلة استغلاله تظهر أهمية اللائحة التنفيذية لنظام حقوق المؤلف؛ إذ لا تقف عند حدود بيان صور الحماية وإنما تستوعب من المسائل ما تفرضه طبيعة الاستغلال المعاصر من أحكام وضوابط، فتتناول تارةً استخدام المصنّفات في تطوير المنتجات أو حين ارتباطها بالذكاء الاصطناعي، بل وتنظّم ما يتصل بالمصنّفات التي تنشأ في نطاق العمل وتبيّن أحكام الترخيص الإجباري والتسجيل وتمتد إلى إنفاذها في البيئة الرقمية.
أولًا: حقّ لا يبدأ من التسجيل:
قد يظنّ البعض أن حماية المصنّف لا تبدأ إلا من لحظة تسجيله لدى الجهة المختصة غير أن اللائحة تضع حدًا واضحًا لهذا إثر تفريقها بين الحماية المقررة للمصنّف وبين قيده في السجل؛ فالحماية لا تتوقف على استيفاء إجراء شكليّ وإنما تثبت للمصنّف وفقًا للأحكام النظامية أما القيد فيأتي لأغراض توثيقية لا ينشئ بها حقًا ولا يمنح صاحبه حمايةً لم تكن قائمة من قبل؛ ويؤكد ذلك ما نصت عليه المادة (الحادية والستون):
يعدّ القيد في السجل إجراءً توثيقيًّا، ولا يترتّب عليه إنشاء الحق أو منحه أو تقييده، أو تصريح بتداوله أو عرضه أو نشره أو المساس بالحماية المقررة له بموجب النظام أو اللائحة.
وبذلك يتجلّى أن التسجيل لا ينشئ حق المؤلف وإنما يوثّق ما له من حقوق.
ثانيًا: بين الفكرة والمصنّف .. منى تبدأ الحماية؟
أين تنتهي الفكرة وأين يبدأ المصنَّف؟
لا تقف حماية حقّ المؤلف عند مجرّد وجود فكرة في ذهن صاحبها؛ فالعبرة بما تخرج إليه الفكرة من صورة يتحقق فيها المصنّف وتقوم بها الحماية النظامية، ومن هنا جاءت اللائحة لتحدد نطاق الحماية فتجعلها منصبةً على التعبير الذي تجسد فيه المصنّف دون الأفكار أو الإجراءات أو المفاهيم المجرّدة، إذ لا تكون الفكرة في ذاتها محلًا للحماية وإنما تتجه الحماية إلى ما أفرغه صاحبها منها في مصنّف تتحقق فيه عناصر الحماية.
ثالثًا: حين تصبح التعبيرات الفولكلورية محلّ صونٍ وحماية:
لا تقف حماية اللائحة عند حدود المصنّف الذي تجلّى فيه إبداع فردي، بل تتجاوزه لتمتد في نطاقها إلى التعبيرات الفولكلورية للتراث الثقافي الوطني بما تحمّله من ملامح زمنٍ توارثته الأجيال وصورٍ من التعبير بقيت حاضرةً في ذاكرة المجتمع وإن غاب أصحابها وتبدلت الأزمنة؛ فهذه التعبيرات لا تُعامل بوصفها أثرًا إبداعيًا قائمًا بذاته فحسب وإنما بوصفها جزءًا من موروثٍ تتصل قيمته بما يحمله من ملامح المجتمع وهويته الثقافية؛ وفي سبيل ذلك قرّرت المادة (٥/٢)حمايةً دائمةً لهذه التعبيرات داخل المملكة ومنعت تشويهها أو استخدامها بصورة مسيئة كما أخضعت استخدامها لما تقرّره الجهة المختصة من أحكام الترخيص بالانتفاع بها أو استغلالها.
رابعًا: متى يكون المصنّف منسوبًا إلى جهة العمل؟
من يملك المصنّف حين يبدعه الموظف؟
لم تجعل اللائحة مجرّد وجود العلاقة الوظيفية معيارًا حاسمًا في ذلك، وإنما ربطت الأمر بظروف إنشاء المصنّف وصلته بالعمل؛ فيكون ذلك متحققًا متى أُنجز في إطار المهام الوظيفية أو بتوجيه أو تكليف من صاحب العمل أو من خلال استعمال موارده أو بياناته أو أجهزته المرتبطة مباشرةً بنشاطه، وفي المقابل لم تجعل مجرّد استعمال الأدوات المكتبية المعتادة كافيًا بذاته لاعتبار المصنّف منتجًا باستخدام موارد صاحب العمل؛ فالعبرة بمدى اتصال المصنّف بالعمل لا بمجرّد إنشائه أثناء مدة العلاقة الوظيفية.
أما في العقود الخاصة التي لا تقوم على علاقة عمل فقد أبقت اللائحة الحقوق الأدبية للمؤلف وجعلت الحقوق المالية للشخص المتعاقد معه ما لم يتفق الطرفان صراحةً على خلاف ذلك؛ وبذلك توازن اللائحة بين حق المؤلف ومصلحة صاحب العمل، فلا يصبح كل مصنّف ينجزه الموظف أثناء عمله منسوبًا إلى جهة العمل كما لا يبقى منفصلًا عنها متى نشأ في إطار مهامها أو بتوجيهها أو باستخدامِ مواردها المرتبطةِ مباشرةً بنشاطها.
خامسًا: حين يدخل المصنّف عالم الذكاء الاصطناعي:
هل يظل المصنّف حكرًا على الإنسان وحده، أم يفتح الذكاء الاصطناعي أمامه بابًا جديدًا للاستخدام؟
عالجت اللائحة هذه المسألة في مادتها الـ (الثلاثون) فلم تجعل استخدام المصنّفات مطلقًا ولم تمنعه على إطلاقه وإنما أحاطته بضوابط توازن بين التطور التقني وحماية حقوق المؤلف؛ إذ لا يكون النسخ إلا بالقدر اللازم لتطوير المنتج أو الخوارزمية ولا تجوز إعادة نشر المصنّف أو توزيعه أو استغلاله تجاريًا بصورة مباشرة، كما أوجبت الاحتفاظ بسجلات تتضمن نوع المصنّف ومصدره والغرض من استخدامه وتاريخ ذلك الاستخدام وإبرازها للجهة المختصة عند وجود نزاع، كما اشترطت ألا يترتّب على الاستخدام إضرار غير مبرّر بالمؤلف أو حرمانه من استغلال مصنفه.
سادسًا: متى يجوز استغلال المصنّف دون إذن صاحبه؟
الأصل أن يبقى استغلال المصنّف بيد صاحبه فلا تمتد إليه يد أخرى دون إذنه، غير أن اللائحة أوردت على هذا الأصل استثناءً في حالات محددة أجازت فيها طلب الترخيصِ الإجباري؛ لتفتح باب الانتفاع بالمصنّف عند قيام موجبه دون أن تجعل من ذلك طريقًا يتجاوز حق صاحبه أو يحل محل رضاه في الأصل، فقد أتاحت اللائحة ذلك للمواطن السعودي وللشخص ذي الصفة الاعتبارية الذي يقع مقره الرئيس في المملكة في نطاق إعادة إنتاج المصنّف أو ترجمته إلى اللغة العربية، على أن يسبق الطلب سعي جاد للحصول على ترخيص تعاقدي وأن يثبت رفض صاحب الحق أو عدم رده خلال المدة المحددة أو تعذّر الوصول إليه مع توافر القدرة على تقديم المصنّف بالمستوى المناسب والتعهد بأداء المقابل، كما أحاطت الترخيص بضوابط وإجراءات محددة وجعلته غير حصري ومقيدًا بمصنّف واحد ومقابل عادل حتى يبقى هذا الاستثناء في موضعه ولا يتحول من وسيلة لتحقيق غايته إلى سبيل للانتقاص من حق صاحب المصنّف.
سابعًا: أين ينتهي الإذن باستغلال المصنّف؟
قد يبدأ الخلاف في حقوق المؤلف من اتفاق لم تُحكم حدوده؛ فليس النزاع دائمًا في أصل الحق وإنما قد ينشأ حين يتسع الاستغلال عما قصده الطرفان أو تختلف نظرتهما إلى مدته ومكانه والمقابل المستحق عنه، ومن هنا أتت اللائحة لتجعل العلاقة التعاقدية أكثر وضوحًا بإلزام الأطراف بإفراغها في عقود مكتوبة تحدد محل الاستغلال ونطاقه وآثاره، وتتضمن هذه العقود البيانات المتعلقة بالمصنّف أو الأداء أو التسجيل أو المصنّف السمعي البصري أو مادة البث ونوع الاستغلال ومدته ونطاقه الجغرافي والمقابل أو الإيرادات، إلى جانب بيان حق صاحب الحق في الإطلاع على تقارير الاستغلال الدورية.
ثامنًا: إنفاذٌ مُمتدّ إلى البيئة الرقمية:
نظّمت اللائحة إجراءات الإبلاغ عن المحتوى المخالف والبيانات الواجب تضمينها في البلاغ، ومنها:
بيان الحق محل الحماية ووقائع التعدي والرابط أو المسار الإلكتروني إلى جانب إقرار ملكية الحق وعدم وجود ترخيص بالاستخدام، كما نظّمت إجراء إزالة المحتوى أو تعطيل الوصول إليه وأتاحت لصاحب الشأن تقديم إشعار مضاد في الحالات التي حددتها، ولم تقف اللائحة عند تنظيم موقف صاحب الحق من المحتوى المخالف وإنما عالجت كذلك مسؤولية مقدّم محتوى الإنترنت، فأقامت في حالات معيّنة حماية من المسؤولية المدنية أو الجزائية متى التزم بالإجراءات والضوابط المحددة، ومن بينها وجود آلية لاستقبال الإشعارات وإزالة المحتوى خلال المدة المقررة عند تحقق العلم أو استلام البلاغ المستوفي.
تاسعًا: حماية الحقوق تمتد إلى الحدود:
ومتى امتدت الحماية إلى الفضاء الرقمي فإنها لا تقف عند حدود ما يظهر داخل المملكة؛ فقد يأتي التعدي في صورة سلعة تحمل مصنّفًا متعديًا وتحاول العبور إلى السوق، ولذلك امتدت الحماية إلى مرحلة سابقة على دخولها وتداولها، فقد أجازت اللائحة لصاحب الحق عند وجود أسباب جدية طلب تعليق الإفراج الجمركي عن السلع محل الاشتباه وفق الإجراءات المنصوص عليها وبالتنسيق مع الجهة المختصة؛ ويتطلب ذلك تقديم ما يؤيد الحق وبيان السلع محل الطلب وتقديم الضمان المقرر ثم تتخذ الجهة المختصة قرارها خلال المدة المحددة.
وفي المقابل لم توسّع اللائحة نطاق هذا الإجراء وإنما وضعت استثناءات تتعلق بالكميات الصغيرة التي يحملها المسافرون لأغراض غير تجارية وغيرها من الحالات التي حددتها؛ وبذلك تتيح الحماية لصاحب الحق أن يواجهها عند الحدود متى توافرت أسباب الاشتباه واستوفيت الإجراءات المقررة نظامًا.
عاشرًا: الحقوق المجاورة .. حماية تتجاوز المؤلف:
وإذا كانت الحماية قد بدأت بالمصنّف وصاحبه ثم امتدّت إلى صور استغلاله ووسائل تداوله فإنها لا تقف عند المؤلف وحده؛ إذ نظّمت اللائحة كذلك الحقوق المجاورة التي تثبت للمؤدين ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات البث، فالمصنّف قد يظل واحدًا في أصله لكن أثره لا يبقى في صورة واحدة حين ينتقل إلى أداء أو تسجيل أو بث يصل به إلى الجمهور، ومن الأحكام اللافتة في ذلك ما قرّرته للمؤدين ومنهم مؤدو تلاوة القرآن الكريم والأذان من حقوق أدبية ومالية تتصل بأدائهم؛ لتؤكد أن الحماية لا تنصرف إلى العمل الإبداعي في صورته الأصلية فحسب وإنما تمتد إلى ما يضفي عليه الأداء من أثر يصل به إلى المتلقي وبذلك تتسع دائرة الحماية لتشمل الحقوق المرتبطة بالمصنّف دون أن تختلط به؛ فلكل حق منها طبيعته وصاحبه ونطاق حمايته وتهدف في المنطلق الأول إلى ألا يضيع الحق حين ينتقل المصنّف من يد مبدعه إلى من يؤديه أو يسجّله أو يبثّه.
الخاتمة:
ختامًا، تبيّن اللائحة التنفيذية لنظام حقوق المؤلف أن الحماية تدور مع المصنّف حيثما انتقل وتستوعب ما يطرأ على طرق إنشائه واستغلاله وتداوله؛ فتبدأ بالحماية دون اشتراط التسجيل وتميز بين الفكرة والمصنّف وتصون التعبيرات الفولكلورية للتراث الوطني وتنظّم ما ينشأ في نطاق العمل والعلاقات التعاقدية وتضع ضوابط لاستخدام المصنّفات في تطوير المنتجات .. ولعل جوهر الحماية في النهاية لا يكمن في أن يبقى الإبداع حبيس صورته الأولى وإنما في أن يظل حق صاحبه حاضرًا كلما تغيرت صورته وتبدلت طرق استغلاله؛ فالإبداع قد يتغير وعاؤه وتتسع دائرة انتشاره، لكن الأثر الذي تركه صاحبه فيه يظل جديرًا بالحماية.

