هل يُضعف التأمين ضد الأخطاء الطبية من مسؤولية الأطباء قراءة في أبرز الانتقادات الموجهة له

الرئيسية/المقالات/قوانين التأمين/هل يُضعف التأمين ضد الأخطاء الطبية من مسؤولية الأطباء قراءة في أبرز الانتقادات الموجهة له
١٧ سبتمبر ٢٠٢٦آخر تحديث: ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦فريق مقننقوانين التأمين0 قارئ

هل يُضعف التأمين ضد الأخطاء الطبية من مسؤولية الأطباء قراءة في أبرز الانتقادات الموجهة له

هل يُضعف التأمين ضد الأخطاء الطبية من مسؤولية الأطباء قراءة في أبرز الانتقادات الموجهة له

هل يُضعف التأمين ضد الأخطاء الطبية من مسؤولية الأطباء؟ قراءة في أبرز الانتقادات الموجهة له.

بقلم: اريام العصيمي.

تدقيق: عبدالعزيز العيد.

المقدمة:

يُثار حول التأمين التعاوني ضد الأخطاء المهنية الطبية جدل فقهي وقانوني مستمر، مفاده أن هذا النظام -رغم فوائده الظاهرة- قد يحمل في طياته آثارًا سلبية غير مقصودة، تمس سلوك الممارس الصحي من جهة، وكلفة الخدمة الصحية من جهة أخرى، وفيما يلي عرض لأربعة من أبرز هذه الانتقادات، مع الرد على كل منها.

الانتقاد الأول: هل يُنتج التأمين لامبالاة مهنية؟

يذهب فريق من المنتقدين إلى أن وجود غطاء تأميني يجعل الممارس الصحي أقل اكتراثًا بالأخطاء التي قد يرتكبها، بما أن شركة التأمين هي التي ستتحمل عبء التعويض في نهاية المطاف، وليس ذمته المالية الخاصة، وهذا -بحسب هذا الرأي- قد يُفضي إلى تزايد نسبة الأخطاء الطبية بدلًا من الحد منها.

غير أن هذا الانتقاد مردود من عدة أوجه:

فالتأمين لا يُلغي المسؤولية الجنائية ولا التأديبية للممارس، وهما تبقيان قائمتين بصرف النظر عن وجود التغطية التأمينية من عدمها، كما أن الخطأ يظل مسجلًا في ملف الممارس التأميني، وهو ما يرفع من قيمة أقساطه المستقبلية، بما يشكّل رادعًا اقتصاديًا مستمرًا، بل إن التأمين -من زاوية أخرى- يُحرر الممارس من حالة التوتر الدائم التي قد تدفعه إلى الإحجام عن إجراءات علاجية ضرورية خشية الدعاوى، فيصب ذلك في مصلحة المريض لا العكس.

يضاف إلى ذلك أن التأمين ضد الأخطاء الطبية يقتصر أثره على العواقب المالية المتعلقة بالحق الخاص (التعويض)، ولا يمتد بأيّ حال إلى الحق العام كالغرامات والعقوبات الجنائية والتأديبية، والتي قد تكون عواقبها الوخيمة على الممارس أشد أثرًا من عبء التعويض المالي ذاته، بل قد تصل في الحالات المتكررة إلى إلغاء ترخيص مزاولة المهنة كليًا، وهذه العاقبة هي ما يخشاه كل ممارس صحي مهما بلغ مبلغ التأمين الذي يدفعه.

الانتقاد الثاني: أين تكمن العدالة إن ساهم المتميز في تعويض خطأ المهمل؟

يُقال أيضًا إن نظام التأمين من المسؤولية المدنية يُفضي إلى نوع من عدم العدالة، ذلك أن الممارس الحريص المجد يساهم -من خلال أقساطه- في تمويل التعويضات الناتجة عن أخطاء زميل مهمل في عمله.

والرد على ذلك أن هذا الأمر لا ينبغي أن يُعطى أكثر من حجمه الحقيقي؛ فالممارس المهمل لا يستفيد من نظام المسؤولية المدنية وحده دون عقاب، بل تتراكم مخالفاته وتُسجَّل ضمن سجله المهني والتأميني، ويُحاسب عليها بشكل مستقل من خلال الإجراءات التأديبية المعمول بها، كما أن من الممكن -من الناحية الواقعية- أن يقع الممارس الحريص في الخطأ أيضًا رغم يقظته، بل قد تكون بعض الأخطاء التي يرتكبها الممارس الماهر أشد خطورة لثقته الزائدة في قدراته.

الانتقاد الثالث: هل يرفع التأمين من كلفة الخدمة الصحية؟

يذهب اتجاه آخر إلى أن إلزامية التأمين تُحمّل الممارس الصحي والمؤسسات الصحية عبئًا ماليًا إضافيًا يتمثل في الأقساط السنوية، وأن هذا العبء لا يلبث أن ينعكس بصورة أو بأخرى على تكلفة الخدمة الصحية المقدمة للمريض، ويرتبط بهذا الانتقاد ما يُعرف بـ "الطب الدفاعي"، وهو لجوء الممارس الصحي إلى الإسراف في الفحوصات والإجراءات الطبية غير الضرورية، أو تجنّب علاج الحالات الصعبة، خوفًا من الملاحقة القانونية لا حرصًا على مصلحة المريض، ويؤدي انتشار هذه الممارسات في المحصلة إلى خفض جودة الخدمة الصحية ورفع تكلفتها في آن واحد، وهو ما يمثّل نتيجة معاكسة تمامًا للغاية التي شُرّع التأمين والتقاضي الطبي من أجلها.

والرد على هذا الانتقاد أن كلفة الأقساط تبقى، في حقيقتها، أقل بكثير من الكلفة التي قد يتحملها الممارس أو المؤسسة في حال غياب التغطية التأمينية وصدور حكم قضائي بتعويضات جسيمة يتحملها بمفرده، بل إن مبدأ توزيع المخاطر الذي يقوم عليه التأمين هو ما يجعل هذه الكلفة محتملة وموزعة بدلًا من أن تكون كارثية ومركزة في لحظة واحدة، كما أن ربط قيمة القسط بطبيعة التخصص ودرجة خطورته يحقّق قدرًا من الإنصاف بين الممارسين، فلا يتحمّل الممارس منخفض المخاطر عبئًا مساويًا لعبء الممارس في تخصص عالي المخاطر كالجراحة أو التوليد.

الانتقاد الرابع: هل يشجّع التأمين على كثرة الدعاوى؟

يُثار كذلك أن وجود شركة تأمين تتحمل عبء الدفع خلف الممارس الصحي قد يُسهّل على المرضى وذويهم اللجوء إلى تقديم الشكاوى والمطالبات، حتى في الحالات التي لا يكون فيها الخطأ الطبي واضحًا أو ثابتًا، طمعًا في تعويض مضمون الأداء.

وقد يدفع تزايد هذه الشكاوى كثيرًا من الممارسين إلى ممارسة الطب الدفاعي هربًا من طول الإجراءات القانونية والضغط النفسي المصاحب لها، وإن كان الهدف من هذه الشكاوى في الأصل تحسين جودة الخدمة الصحية عبر ردع المقصرين.

غير أن هذا الانتقاد يغفل أن وجود التأمين لا يُعفي المطالبة من واجب إثبات أركان المسؤولية المدنية كاملة، الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما؛ فشركة التأمين لا تدفع التعويض بمجرّد تقديم الشكوى، بل بعد ثبوت المسؤولية عبر الجهات المختصة، وقد أظهرت عدة قرارات قضائية رفض مطالبات لم تثبت فيها أركان المسؤولية، مما يؤكد أن آلية التقاضي تظل الحاجز الفعلي أمام الدعاوى الكيدية أو غير المستندة إلى أساس، بصرف النظر عن وجود التغطية التأمينية من عدمها.

الخاتمة:

يتضح مما سبق أن التأمين ضد الأخطاء الطبية لم يُشرّع ليكون أداة إعفاء من المسؤولية، بل أداة لإعادة توزيع العبء المالي الناتج عنها بما يحقّق التوازن بين مصلحة المريض في تعويض عادل وسريع، ومصلحة الممارس في عدم انهيار ذمته المالية جراء خطأ غير مقصود، ويبقى الرادع الحقيقي لمنع تكرار الأخطاء الطبية كامنًا في المنظومة التأديبية والجنائية المصاحبة له، لا في التأمين ذاته.

تنويه قانوني مهم:المحتوى الوارد في هذه المقالة مخصص لأغراض التوعية والثقافة القانونية العامة فقط، ولا يُعتبر بأي حال من الأحوال استشارة قانونية ملزمة أو بديلاً عن الاستعانة بمستشار قانوني مرخص وفق الأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية.

فريق مقنن

باحث قانوني ممارس

محرر متخصص في دراسة وتحليل الأنظمة واللوائح السعودية، وإثراء الثقافة التشريعية بأسلوب علمي دقيق ومبسط.

جميع مقالات الكاتب
مشاركة هذا المقال:

هل كان هذا المحتوى مفيداً لك؟

تقييمك يساعدنا على تقديم محتوى قانوني أكثر تميزاً ودقة

التقييمات والتعليقات السابقة (0)

لا توجد تقييمات أو تعليقات بعد. شاركنا رأيك وكن أول من يقيم هذا المقال!
تواصل معنا مباشرة