سوق الأسهم السعودي في منطقة رمادية في ضوء موجة صعود عالمية
بقلم: خالد التميمي.
تدقيق: عبدالعزيز العيد.
المقدمة:
في الآونة الأخيرة، كثرت مقارنة سوق الأسهم السعودي بالأسواق العالمية، في ظل إحباطٍ لدى عدد من المستثمرين؛ فعندما يقارن المستثمر في سوق الأسهم السعودي أداء السوق السعودي بنظرائه العالميين، يجد أن السوق لم يواكبها، رغم ارتفاع الإنفاق الحكومي، واستهداف المملكة إيجاد مصادر دخل لا نفطية، واستهدافها كذلك إدراج المشاريع العملاقة، ومع ذلك، عند مقارنة السوق السعودي بنظيريه الأمريكي والياباني خلال الفترة من بداية عام ٢٠٢٣ إلى منتصف عام ٢٠٢٦، وعلى أساس التغير في النقاط، يتضح أن السوق السعودي نما بنسبة ٣.٠٧٪، بينما نما السوق الأمريكي بنسبة ١٥٠.٤٥٪ والسوق الياباني بنسبة ١٦٨.٤٩٪
أولًا: فجوة الأداء أولًا:/ لماذا لم يواكب السوق السعودي السوقين الأمريكي والياباني؟
في أيّ نقاش يجمع المستثمرين في السوق السعودي، يُعزى ضعف أداء السوق غالبًا إلى ثلاث فرضيات، تتمثل الفرضية الأولى في أن معايير الإدراج في السوق السعودي متساهلة، مما أدى إلى إدراج عديد من الشركات التي لا ترتقي إلى مستوى الإدراج في سوق الأسهم السعودي، وتتمثل الفرضية الثانية في أن الحكومة تتخارج من استثماراتها في سوق الأسهم لتمويل مشاريع أخرى، أما الفرضية الثالثة فتتعلق بضغط العرض على الطلب.
ثانيًا: هل معايير الإدراج السعودية متساهلة فعلًا؟ مقارنة مع السوقين الأمريكي والياباني.
من أهم معايير الإدراج في أيّ سوق مالي القيمة السوقية المشترط الوصول إليها، والنسبة المطلوب طرحها للجمهور، وفي المملكة، نصّت المادة السابعة من قواعد الإدراج الصادرة من شركة تداول السعودية، والموافق عليها بقرار مجلس هيئة السوق المالية رقم ٣-١٢٣-٢٠١٧ م، على ألا تقل القيمة السوقية عن ٣٠٠ مليون ريال سعودي، وألا تقل نسبة ملكية الجمهور عن ٣٠٪، وألا يقل عدد المساهمين من الجمهور عن ٢٠٠ مساهم عند الإدراج، كما نصّت الفقرة الرابعة من المادة الثالثة والعشرون من قواعد طرح الأوراق المالية والالتزامات المستمرة على أن تكون هناك قوائم مالية معدة وفق معايير المحاسبة عن السنوات المالية الثلاث السابقة، على الأقل.
وفي السوق الأمريكية، ووفقًا للقسمين ١٠٢.٠١ (أ–ب) و ١٠٢.٠١ (ج) من دليل الشركات المدرجة في بورصة نيويورك، تشترط بورصة نيويورك للاكتتاب الأولي وجود ٤٠٠ مساهم، و ١.١ مليون سهم متاح للجمهور، وقيمة سوقية للأسهم المملوكة للجمهور لا تقل عن ١٥٠ مليون ريال سعودي، وتُلزم الشركة، في مسار اختبار الربحية المنصوص عليه في القسم ١٠٢.٠١، الفقرة الأولى من البند (ج)، بتحقيق صافي دخل قبل الضريبة المعدل خلال السنوات المالية الثلاث السابقة لا يقل إجمالية عن ٣٧.٥ مليون ريال سعودي، مع متطلبات إضافية على أرباح السنتين الأخيرتين، ويجوز، بدلًا من ذلك، التأهل بمسار القيمة السوقية العالمية في القسم ١٠٢.٠١، الفقرة الثانية من البند (ج) البالغ ٧٥٠ مليون ريال سعودي.
ولذلك، لا تمثّل مدة السنوات الثلاث شرطًا مستقلًا في جميع مسارات الإدراج في بورصة نيويورك، وإنما في مسار الربحية تحديدًا.
وفي السوق اليابانية، ووفقًا للقاعدة ٢١١ من قواعد إدراج الأوراق المالية لبورصة طوكيو، يتطلب الإدراج الأولي في السوق الأول وجود ٨٠٠ مساهم، وألا تقل نسبة الأسهم القابلة للتداول عن ٣٥٪ من الأسهم المدرجة، وألا تقل القيمة السوقية الإجمالية عن ٥٩١.٧٥ مليون ريال سعودي، كما تشترط القاعدة ٢١١، في البند (٦)، أن تكون الشركة قد باشرت أعمالها بصورة مستمرة كشركة مساهمة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات قبل تاريخ طلب الإدراج، وتُلزم القاعدة نفسها، في متطلبات التدقيق، بمراجعة أو تدقيق القوائم المالية عن آخر سنتين ماليتين، إضافة إلى القوائم المالية المرحلية للفترة الأخيرة.
لا تؤيد المقارنة القول إن معايير الإدراج في السوق السعودي «أسهل» من معايير السوقين الأمريكي والياباني؛ فالسوق السعودي يفرض حدًا أدنى للقيمة السوقية، وملكية الجمهور، وعدد المساهمين من الجمهور، وقوائم مالية عن السنوات السابقة.
ولغرض اختبار العتبات المالية الرئيسية، شملت الدراسة عينة أصلية من ٢٧ شركة أُدرجت في السوق السعودي خلال الفترة محل الدراسة، وفي بورصة نيويورك، أظهرت المراجعة أن الشركات السابعة والعشرون جميعها استوفت مسارًا ماليًا واحدًا على الأقل؛ إما مسار القيمة السوقية العالمية، أو مسار اختبار الربحية، ويستند ذلك إلى القسم ١٠٢.٠١ (ج) من دليل الشركات المدرجة في بورصة نيويورك.
أما في السوق الأول في بورصة طوكيو، فقد كانت البيانات المالية كافية للحكم على ٢٤ شركة من أصل العينة، واجتازت ٢٣ شركة العتبات المالية المختبرة، في حين لم تجتز شركة واحدة هذه العتبات؛ لأنها لم تستوفِ مسار الأرباح، ولا مسار المبيعات والقيمة السوقية معًا، كما استُبعدت ثلاث شركات من اختبار السوق الأول في بورصة طوكيو لعدم اكتمال البيانات المالية اللازمة للحكم على مسارات الربحية أو المبيعات.
وتجدر الإشارة إلى أن السوقين الأمريكي والياباني يفرضان متطلبات إضافية لا يقابلها شرط مماثل بالنص نفسه في السوق السعودي؛ ولذلك، لا تصلح جميعها للمقارنة المباشرة، ففي بورصة نيويورك، تشمل متطلبات التوزيع للاكتتاب الأولي ٤٠٠ مساهم، و ١.١ مليون سهم متاح للجمهور، إضافة إلى حد أدنى لسعر السهم ومتطلبات الحوكمة، وفي السوق الأول في بورصة طوكيو، تشمل المتطلبات ٨٠٠ مساهم، و ٢٠.٠٠٠ وحدة تداول، ونسبة أسهم قابلة للتداول لا تقل عن ٣٥٪، وقيمة سوقية للأسهم القابلة للتداول لا تقل عن ٢٣٦.٧٠ مليون ريال، إلى جانب متطلبات صافي الأصول وسجل التشغيل والتدقيق.
أما عدد المساهمين، فلا يمكن الجزم باستيفائه لكل شركة سعودية من واقع بيانات الدراسة؛ لأن سجلات المساهمين التفصيلية لم تكن ضمن نطاق الاختبار.
ويمكن القول إن متطلب عدد المساهمين في الطروحات العامة الواسعة لا يبدو من حيث المبدأ عائقًا ظاهرًا.
وبناءً على ذلك، فالأدق أن يقال إن نتائج الاختبار المالي لا تدعم فرضية أن غالبية العينة السعودية كانت عاجزة ماليًا عن تلبية مسارات الإدراج في السوقين المقارنين.
تشير بيانات عينة تضم ٣٤ شركة مرتبطة باكتتاب وأُدرجت في السوق الرئيسية السعودية خلال الفترة من ٢٠٢٣ إلى النصف الأول من ٢٠٢٦ إلى أن ٨ شركات فقط، بما يمثّل ٢٣.٥٣٪ من العينة، كانت تتداول فوق سعر الطرح أو الأساس في ٨ سبتمبر ٢٠٢٦، مقابل ٢٦ شركة، أو ٧٦.٤٧٪ كانت تتداول دونه، وعلى مستوى الأداء التشغيلي، حققت ٣١ شركة، بما يمثّل ٩١.١٨٪ من العينة، صافي ربح تراكميًا موجبًا منذ الإدراج حتى ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، فيما سجّلت ٣ شركات فقط، أو ٨.٨٢٪، صافي خسارة تراكمية، ويكشف هذا التباين أن ضعف الأداء السعري لمعظم الطروحات لا يقابله ضعف تشغيلي مماثل؛ فالغالبية الساحقة من الشركات حققت أرباحًا تراكمية، بينما بقيت أسهمها تتداول دون سعر الطرح.
إذن، لا تبدو معايير السوق السعودي من حيث المبدأ، أسهل من نظيرتيها اليابانية والأمريكية، بل يمكن القول إن معايير الاكتتاب في السوق الأمريكي أسهل من معايير السوق السعودي؛ لأنها توفّر أكثر من مسار للتأهل للإدراج.
ثالثًا: ملكية صندوق الاستثمارات العامة؛ هل تؤيد فرضية التخارج الحكومي أم تنفيها؟
سادت هذه الفرضية بين المستثمرين، خصوصًا قبل السماح الكامل للمستثمرين الأجانب في ١ فبراير ٢٠٢٦، وهو تاريخ فتح الاستثمار المباشر أمام مختلف فئات المستثمرين الأجانب، وقامت الفرضية على الإدعاء بأن الحكومة تسعى إلى جعل السوق السعودي أكثر جاذبية للمستثمر الأجنبي، وفي الوقت نفسه تتخارج من استثماراتها لتمويل مشاريعها الحالية، إلا أن النظر إلى سجل كبار المساهمين في تداول السعودية يُظهر أن المقارنة بين كبار المساهمين بتاريخ ٦ ديسمبر ٢٠٢٣ و بتاريخ ٣ سبتمبر ٢٠٢٦ تفيد بارتفاع القيمة السوقية التقديرية للحصص المباشرة المفصح عنها باسم صندوق الاستثمارات العامة، بعد استبعاد أرامكو، من نحو ٤٧٠.٤٩ مليار ريال إلى نحو ٥٦٦.٩٢ مليار ريال، بزيادة تقارب ٢٠.٤٩٪، كما ارتفع عدد الشركات التي يظهر فيها الصندوق مساهمًا مباشرًا من ٢١ إلى ٢٥ شركة، ولا تثبت هذه المقارنة عدم وقوع أيّ عملية بيع منفردة، لكنها لا تنسجم مع فرضية التخارج الواسع للصندوق من سوق الأسهم السعودية.
رابعًا: كثافة طروحات الأسهم وتوسع أدوات الدين؛ هل تواجه سيولة السوق السعودي عرضًا متعدد القنوات؟
خلال الفترة من ١ يناير ٢٠٢٣ إلى ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، وبقصر المقارنة على السوق الرئيسية السعودية واستبعاد سوق نمو، بلغ عدد طروحات الأسهم المرتبطة باكتتاب ٣٧ طرحًا، بما يعادل ١٣.٧٠ طرحًا لكل ١٠٠ شركة مدرجة، مقابل ١١.٠٠ في سوق ناسداك و ٦.٥٠ في أسواق بورصة طوكيو، غير أن النتيجة تختلف عند قياس الطروحات بالقيمة السوقية؛ إذ بلغ المعدل في السوق الرئيسية السعودية ٣.٩٢ طرحًا لكل تريليون ريال من القيمة السوقية، مقابل ٨.٨٠ في سوق ناسداك و ٧.٧٢ في أسواق بورصة طوكيو، ولذلك، فإن وتيرة الطروحات السعودية تبدو أعلى عند قياسها بعدد الشركات، لكنها لا تبدو أعلى عند قياسها بالقيمة السوقية.
ولا تقتصر الأوعية الاستثمارية في السوق السعودية على الأسهم المطروحة؛ إذ بلغ عدد الصكوك والسندات المدرجة القائمة في تداول السعودية ٦٣ أداة في ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، منها ٥٣ أداة حكومية و ١٠ أدوات صادرة من شركات، بقيمة اسمية إجمالية بلغت ٧٤٩.٩٦ مليار ريال بالإضافة الى أوعية مالية جديدة تحت مايسمى بالتقنية المالية، ويكشف ذلك عن تعدد الأوعية التي تتجه إليها السيولة الاستثمارية في السوق، بين الأسهم والصكوك والسندات وغيرها من الأدوات المالية، ولا يثبت هذا التعدد، في ذاته، أن السيولة تعرضت لضغط سببي، لكنه يمثّل عاملًا ينبغي أخذه في الاعتبار عند تحليل قدرة السوق على استيعاب الطروحات الجديدة.
ويأتي ذلك مع استهداف هيئة السوق المالية تنمية حجم سوق الصكوك وأدوات الدين؛ إذ ذكرت الهيئة في خطتها الاستراتيجية للفترة ٢٠٢٤-٢٠٢٦ تطوير حجم هذا السوق من ١٨٪ إلى ١١٤٪، اقتداءً بدول مجموعة العشرون.
خامسًا: هل كان الطلب الأجنبي قادرًا على استيعاب تسارع العرض؟
مرّ انفتاح السوق المالية السعودية أمام الاستثمار الأجنبي بمراحل متدرجة، ففي ٢٠ مارس ٢٠٠٦، سُمح للمقيمين غير السعوديين بالتداول المباشر في الأسهم السعودية، وفي ٢٤ سبتمبر ٢٠٠٧، مُنح مواطنو دول مجلس التعاون الحقوق والالتزامات ذاتها المقررة للمواطن السعودي في تملك الأسهم المدرجة وتداولها، ثم فُتح المجال، في ١٨ أغسطس ٢٠٠٨، لغير المقيمين من الأفراد والمؤسسات للدخول غير المباشر عبر اتفاقيات المبادلة؛ بحيث تنتقل إليهم المنافع الاقتصادية للأسهم، فيما تبقى ملكيتها القانونية لدى الشخص المرخّص له في المملكة.
وفي ١٥ يونيو ٢٠١٥، بدأ التحول نحو الاستثمار المباشر للمؤسسات المالية الأجنبية غير المقيمة المؤهلة، مع اشتراط أصول مدارة لا تقل عن ١٨.٧٥ مليار ريال، وخُفّض هذا المتطلب في ٤ سبتمبر ٢٠١٦ إلى ٣.٧٥ مليارات ريال، ثم إلى ١.٨٥٧ مليار ريال اعتبارًا من ١ أبريل ٢٠١٨، وفي ٢٦ يونيو ٢٠١٩، أُتيح للمستثمر الاستراتيجي الأجنبي تملك حصص استراتيجية في الشركات المدرجة، واكتمل الانفتاح، من حيث إتاحة الدخول المباشر، في ١ فبراير ٢٠٢٦ بإلغاء إطار المستثمر الأجنبي المؤهل واتفاقيات المبادلة في السوق الرئيسية، وإتاحة الاستثمار المباشر لمختلف فئات المستثمرين الأجانب.
غير أن فتح باب الدخول لا يعني إزالة قيود الملكية بالكامل؛ فما زال الحد الإجمالي لملكية المستثمرين الأجانب غير الاستراتيجيين في أسهم المصدر الواحد محددًا عند ٤٩٪، مع استثناء المستثمر الاستراتيجي الأجنبي، فضلًا عن القيود القطاعية والقيود الواردة في الأنظمة الأساسية للشركات المدرجة، ومن ثم، فإن خطوة عام ٢٠٢٦ أزالت قيدَي التأهل والدخول، لكنها لم تُزل، في جميع الحالات، قيد نسبة التملك.
ويأتي ذلك في سياق سياسة عامة واضحة لتحفيز الشركات الخاصة على الطرح والإدراج، ضمن برنامج تطوير القطاع المالي، فقد أُعلنت حوافز متعددة للشركات المدرجة، منها الأفضلية في الأعمال والمشتريات الحكومية، ورفع حدود التمويل في بعض البرامج، كما يتضمن حافز صندوق دعم المشاريع تمويلًا طويل الأجل بسعر تفضيلي يصل إلى ٥٠٠ مليون ريال للمشروع الواحد، وبحد أقصى إجمالي يبلغ مليار ريال للمقترض، وذلك للشركات المدرجة ذات المشاريع الواقعة في القطاعات المستهدفة، وهي الصحة والتعليم والتطوير العقاري والمشاريع الكبرى.
ومن منظور تحليلي، يثير هذا التباين سؤالًا مشروعًا:
هل واكب اتساع سياسات تشجيع الإدراج عمق السيولة المحلية وقدرة رأس المال الأجنبي على استيعاب المعروض الجديد من الأسهم؟
لا تثبت البيانات المتاحة أن قيود الملكية هي السبب الوحيد لضعف السيولة أو الأداء السعري، لكنها تجعل إعادة النظر في سقف الملكية الأجنبية أحد الخيارات التنظيمية الجديرة بالفحص، فقد قدّر مورغان ستانلي أن رفع الحد الإجمالي للملكية الأجنبية من ٤٩٪ إلى ٧٥٪ قد يستقطب تدفقات سلبية تتبع المؤشرات بقيمة ١٦.١٢٥ مليار ريال، في حين قد تبلغ التدفقات ٢٧.٧٥٠ مليار ريال في حال الإلغاء الكامل للحد، وتبقى هذه تقديرات مشروطة بتعديل تنظيمي فعلي، وباستجابة مزودي المؤشرات والمستثمرين، وليست تدفقات مؤكدة أو بديلًا عن معالجة عوامل السوق الأخرى.
ولا ينبغي أن يتوقف تصحيح هذا الخلل عند المستثمر الأجنبي، بل يجب أن يمتد إلى سوق نمو.
فاشتراط صفة «المستثمر المؤهل» للدخول إلى السوق الموازية يحتاج إلى مراجعة جوهرية، والأجدر إلغاؤه وإتاحة الاستثمار فيها للأفراد على النحو المطبّق في السوق الرئيسية، فمن غير المتسق أن يُسمح للمستثمر الفرد بدخول تاسي وشراء أسهم الشركات المدرجة فيه من دون إلزامه باختبار خبرة، أو حد أدنى للأصول، أو حجم التعاملات، ثم يُمنع من الاستثمار في نمو إلا إذا أثبت أنه نفّذ صفقات رأسمالية بقيمة ٢٠ مليون ريال خلال الأثني عشر شهرًا السابقة، أو يملك أصولًا صافية لا تقل عن ٥ ملايين ريال، أو تتوافر لديه خبرة أو شهادة مهنية محددة.
صحيح أن سوق نمو يقوم على متطلبات إدراج وإفصاح أخف من السوق الرئيسية، لكن معالجة هذه المخاطر لا ينبغي أن تكون بحرمان المستثمر الفرد من حق الاختيار أصلًا، فالحماية التنظيمية الأجدى تكون بالإفصاح الواضح، والتحذير الصريح من المخاطر، ورفع جودة الحوكمة، وتشديد الرقابة على الممارسات السوقية؛ لا بإنشاء سوق لا يستطيع الدخول إليها إلا من تجاوز عتبات مالية أو مهنية قد لا تعكس بالضرورة فهمه للمخاطر أو جودة قراره الاستثماري، إن استمرار القيد يحرم سوق نمو من شريحة واسعة من السيولة المحلية، ويحوّلها عمليًا إلى سوق محدود التداول في وقت يحتاج فيه السوق السعودي إلى توسيع قاعدة الطلب، لا تضييقها.
وباختصار، إذا كانت رؤية السوق تقوم على تعميق السوق المالية وتوسيع فرص التمويل للشركات، فلا مبرّر لاستمرار التعامل مع المستثمر الفرد في نمو بوصفه غير قادر على اتخاذ قرار استثماري، في حين يُسمح له بالمخاطرة في تاسي من دون اختبار مماثل، المطلوب هو فتح نمو للأفراد وفق مبدأ النفاذ المطبّق في تاسي، مع إبقاء الإفصاحات والتحذيرات والرقابة التنظيمية الكفيلة بحماية المستثمر ونزاهة السوق.
سادسًا: ليست المشكلة في حق الشركة في الإدراج، بل في توازن العرض مع رأس المال المتاح:
لا يكشف هذا المقال أن السوق السعودية تعاني من عيب في حق الشركات في الإدراج؛ فالمقارنة التنظيمية لا تسند القول إن معايير الإدراج السعودية متساهلة على نحو يفسّر وحده، ضعف الأداء، كما لا تؤيد بيانات ملكية صندوق الاستثمارات العامة فرضية التخارج الحكومي الواسع من السوق، بل إن نتائج العينة المختبرة تشير إلى أن أغلبية الشركات المدرجة حديثًا استطاعت، من حيث العتبات المالية الرئيسية، اجتياز مسارات الإدراج المقارنة في السوقين الأمريكي والياباني، مع بقاء متطلبات التوزيع والحوكمة الخاصة بكل سوق خارج نطاق ذلك الاختبار، ومن الخطأ لذلك، تحويل حق الشركة المستوفية للمتطلبات في الوصول إلى السوق إلى اتهام لها بأنها سبب الأزمة.
لكن حق الشركة في الإدراج لا يساوي في المقابل، قدرة السوق على استيعاب إدراجها في التوقيت نفسه وبالوتيرة نفسها، فبيانات العينة الموحدة التي تضم ٣٤ شركة من طروحات تاسي بين عام ٢٠٢٣ والنصف الأول من عام ٢٠٢٦، تعطي إشارة يصعب تجاهلها؛ حققت ٣١ شركة، أو ٩١.١٨٪ من العينة، صافي ربح تراكميًا موجبًا منذ الإدراج حتى ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، ومع ذلك كانت ٢٦ شركة، أو ٧٦.٤٧٪ من العينة، تتداول دون سعر الطرح أو الأساس في ٨ سبتمبر ٢٠٢٦، وهذه الفجوة بين الربحية والسعر لا تثبت أن كل سهم مقوّم بأقل من قيمته العادلة، لكنها تنفي التفسير السهل الذي يرد ضعف الأسعار إلى فشل تشغيلي جماعي للشركات المدرجة.
كما أن المقارنة الدولية لا تسمح بادعاء أن السوق السعودية تفوقت على السوقين الأمريكي والياباني في كثافة الطروحات على جميع المقاييس، فالسوق الرئيسية السعودية سجلت ١٣.٧٠ طرحًا لكل ١٠٠ شركة مدرجة خلال فترة الدراسة، مقابل ١١.٠٠ في سوق ناسداك و ٦.٥٠ في أسواق بورصة طوكيو؛ ومن هذه الزاوية يبدو ضغط العرض السعودي أعلى، غير أن الصورة تختلف عند القياس بالقيمة السوقية، إذ بلغ المعدل السعودي ٣.٩٢ طرحًا لكل تريليون ريال، مقابل ٨.٨٠ في سوق ناسداك و ٧.٧٢ في أسواق بوصة طوكيو.
ويزداد هذا السؤال وجاهة مع تعدد الأوعية الاستثمارية التي تنافس الأسهم على رأس المال.
ففي ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، بلغ عدد الصكوك والسندات المدرجة القائمة في تداول السعودية ٦٣ أداة، بقيمة اسمية إجمالية بلغت ٧٤٩.٩٦ مليار ريال، منها ٥٣ أداة حكومية و ١٠ أدوات صادرة من شركات، كما أن زيادة المعروض الاستثماري تفترض توسعًا متزامنًا في قاعدة الطلب والسيولة.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في السياسة السوقية:
تُمنح الشركات حوافز متعددة للطرح والإدراج، بينما ظل جانب الطلب، ولا سيما الطلب الأجنبي، يتحرر بوتيرة أبطأ وبقيود ملكية لا تزال مؤثرة، وكان فتح السوق أمام مختلف فئات المستثمرين الأجانب في عام ٢٠٢٦ تصحيحًا ضروريًا، لكنه لا يمثّل نهاية الإصلاح ما دام سقف ملكية المستثمرين الأجانب غير الاستراتيجيين في المصدر الواحد قائمًا عند ٤٩٪، وما دام المستثمر الفرد يُمنع من الدخول إلى سوق نمو إلا بعد تجاوز اختبارات التأهل، رغم قدرته على الاستثمار في تاسي دون اختبار مماثل، فإن ذلك يبرز اهتزازًا في معايير هيئة السوق المالية.
المطلوب، إذن، ليس العودة إلى تشديد شروط الإدراج أو معاقبة الشركات الرابحة على رغبتها في التمويل والنمو، المطلوب هو أن تسبق سياسة تعميق الطلب والسيولة سياسة توسيع العرض، أو تسير معها، على الأقل، بالسرعة نفسها، ويشمل ذلك وضع اختبار منتظم لأثر جدول الطروحات المتزامنة على السيولة والأسهم الحرة، وإعادة النظر الجادة في سقف الملكية الأجنبية، وفتح سوق نمو للأفراد مع الإفصاح الصريح والتحذير من المخاطر والرقابة الفعالة، بدل المنع العام، فالسوق التي تستهدف موقعًا بين أكبر الأسواق العالمية لا تقاس بعدد الشركات التي تدخلها فقط، بل بقدرتها على منح تلك الشركات سوقًا عميقة وعادلة تستطيع استيعابها بعد الإدراج.
الخاتمة:
خلاصة القول، إن ضعف أداء السوق السعودي لا يبدو ناتجًا عن سهولة معايير الإدراج أو تخارج حكومي واسع، بل يرتبط بدرجة أكبر بمدى قدرة الطلب والسيولة على استيعاب نمو المعروض من الأسهم والأدوات الاستثمارية، ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق قاعدة المستثمرين، وإعادة النظر في بعض قيود الملكية الأجنبية، وتوسيع الوصول إلى سوق نمو، بما يحقّق توازنًا أفضل بين العرض والطلب، فنجاح السوق لا يقاس بعدد الشركات المدرجة فقط، وإنما بقدرته على توفير سيولة وعمق كافيين لاستيعابها بكفاءة وعدالة.
