التنظيم السياحي في المملكة من النشأة وصولًا للرؤية
بقلم: حسن الجائزي
تدقيق: عبدالعزيز العيد
قصة السياحة في المملكة العربية السعودية تشبه حكايات البناء الهادئ والمدروس، التي تبدأ من فكرة بسيطة لخدمة العابرين والمسافرين، لتنتهي بقطاع ضخم يفتح أبواب البلاد للعالم أجمع، هذه الحكاية لم تولد بين يوم وليلة، بل مرّت عبر محطات رئيسية غيّرت شكل هذا القطاع ورسمت ملامحه الحالية.
تبدأ القصة قديمًا، وتحديدًا قبل نحو قرن من الزمان، حينما لم تكن كلمة سياحة متداولة بمفهومها المعاصر كصناعة واقتصاد، في تلك الأيام، كانت الجهود منصبة على تنظيم حركة السفر والوفود وضمان سلامة العابرين، وكان أول تنظيم رسمي يلمس هذا الجانب هو النظام التجاري (نظام المحكمة التجارية) الصادر عام ١٣٥٠ هـ، والذي وضع القواعد الأولى لتنظيم عمل المراكب البحرية ووكلاء السفر، وحرص بشكل لافت على حماية حقوق المسافرين وضمان سلامتهم أثناء رحلاتهم التنقلية البسيطة.
في تلك المرحلة المبكرة، لم تكن هناك جهة مستقلة تجمع شتات هذا العمل، بل كانت المهام موزعة بين عدة قطاعات حكومية؛ فبرز دور وزارة الدفاع والطيران آنذاك، التي تولت من خلال مصلحة الطيران المدني الإشراف على وكالات السفر والسياحة، ولم يكن الهدف وقتها يتجاوز تأمين حركة النقل اليومية من مكان إلى آخر، دون وجود خطة عامة أو نظرة أوسع لاستغلال المواقع الأثرية الغنية أو تحويلها إلى وجهات تجذب الزوار أو المستثمرين.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين، بدأت النظرة تتسع، وأدركت الدولة أن هذا التشتت الإداري لا يخدم التطلعات المتنامية؛ فجاء عام ١٤٢١ هـ ليشهد نقطة التحول التنظيمية الأولى بصدور قرار مجلس الوزراء القاضي بإنشاء الهيئة العليا للسياحة، كانت هذه الولادة الفعلية لمؤسسة رسمية واحدة تجمع تحت سقفها شؤون القطاع وتضع حدًا للضياع الإداري السابق، وبعدها بثلاثة أعوام انضمت المملكة رسميًا الى منظمة السياحة العالمية.
ولم تكد تمر بضع سنوات حتى تعمقت هذه الفكرة، ففي عام ١٤٢٩ هـ ضُمت قطاعات الآثار والمتاحف إلى مسؤولية الهيئة ليتغير اسمها إلى الهيئة العامة للسياحة والآثار، في خطوة عكست الرغبة في ربط النشاط السياحي بالهوية الثقافية والتراث التاريخي العريق للمملكة، وتكللت هذه الجهود بإصدار نظام السياحة عام ١٤٣٦ هـ، والذي وضع القواعد الواضحة للتعامل بين الدولة والمستثمرين، وضمن حقوق الزوار بكل شفافية، ليمهد الطريق نحو مرحلة جديدة تمامًا.
جاءت هذه المرحلة الجديدة مع إطلاق رؤية السعودية 2030، حيث تحولت السياحة من مجرّد نشاط ترفيهي أو ثقافي إلى ركيزة أساسية لبناء اقتصاد المستقبل وتنويع مصادره. ولأن الطموحات أصبحت أكبر، صدر الأمر الملكي في عام ١٤٤١ هـ بتحويل الهيئة إلى وزارة مستقلة هي وزارة السياحة، لتبدأ مرحلة النضج الكامل والتمكين الواسع.
ولم تعد الوزارة تعمل بمفردها، بل أحيطت بنظام مؤسسي متكامل يوزّع الأدوار بذكاء؛ فتأسست الهيئة السعودية للسياحة لتتولى الجانب التسويقي والترويجي للمملكة حول العالم، وأنشئ صندوق التنمية السياحي ليدعم المستثمرين ويقلل من مخاطر المشاريع الجديدة، كما ظهرت الهيئات التطويرية الخاصة بالمناطق الساحلية والبيئية الفريدة مثل البحر الأحمر لضمان حمايتها واستدامتها وفق المعايير العالمية.
وفي عام ١٤٤٤ هـ، جاء نظام السياحة الحديث ليتوج هذه المسيرة الطويلة، واضعًا حدًا نهائيًا لأيّ تداخل في الصلاحيات، ومستعينًا بأفضل التجارب الدولية لرفع كفاءة الرقابة والتطوير، هكذا، وعبر هذه المحطات المتسلسلة، انتقلت السياحة في المملكة من مجرّد خدمات نقل بسيطة ومشتتة، إلى منظومة سيادية رائدة تروي للعالم قصة وطن طموح يفتح قلبه وأرضه للجميع.
المراجع:
١- النظام التجاري (نظام المحكمة التجارية) الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٢) وتاريخ ١٣٩٠/٠١/١٥ هـ. (توضيح هذا النظام يُعد قديم ولا يعتد به وذلك بعد صدور نظام المحاكم التجارية عام ١٤٤١ هـ).
٢- اللائحة المنظمة لعمل شركات الطيران ووكالات السفر والسياحة والشحن الجوي الصادرة ١٤١٩ هـ.
٣- قرار مجلس الوزراء رقم ٩ وتاريخ ١٤٢١/٠١/١٢ هـ.
٤- المرسوم الملكي رقم (م/٥٧) وتاريخ ١٤٢٤/٨/١٥ هـ، بالموافقة على انضمام المملكة العربية السعودية إلى منظمة السياحة العالمية وطبقًا لقانونها الأساسي.
٥- قرار مجلس الوزراء رقم ٧٨ وتاريخ ١٤٢٩/٠٣/١٦ هـ.
٦- نظام السياحة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٢) وتاريخ ١٤٣٦/٠١/٩ هـ.
٧- الأمر الملكي رقم (أ/٤٥٥) وتاريخ ١٤٤١/٠٧/٠١ هـ.
٨- قرار مجلس الوزراء رقم (٤٧٣) وتاريخ ١٤٤١/٠٧/١٥ هـ.
٩- نظام السياحة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/١٨) وتاريخ ١٤٤٤/٠١/٢٦ هـ.




