الأصل في الأشياء التحريم حين تتحول التشريعات من أداة تحقيق العدالة إلى قيد شكلي
بقلم: خالد التميمي
تدقيق: عبدالعزيز العيد
المقدمة:
ظهرت التشريعات لتنظيم حياة الناس وضبط سلوكهم بما يحقّق العدالة والاستقرار ويحمي الحقوق، غير أن ثمة تحولًا خطيرًا طرأ على تطبيق هذه التشريعات، إذ باتت في كثير من الأحيان قيدًا يشترط الالتزام الحرفي بالنص مع إغفال تام للمبادئ الشرعية والاقتصادية التي توظّف النصوص القانونية لتحقيق نتيجة وليس لاتباع آلية.
ولعل أبلغ تعبير عن هذا التحول هو انقلاب الأصل الفقهي الراسخ — "الأصل في الأشياء الإباحة" — إلى ممارسة إدارية يمكن وصفها بـ"الأصل في الأشياء التحريم":
كل ما لم يُجِزه النظام صراحةً فهو ممنوع.
أولًا: الأصل في التشريع — النتيجة لا الآلية
يقوم التشريع السليم على مبدأين متكاملين يغفل عنهما كثيرون:
من الفقه الإسلامي:
قاعدة "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني" — وهي قاعدة تؤسس لفقه الغاية لا فقه الشكل.
من المحاسبة الدولية:
مبدأ IASB الراسخ "تغليب الجوهر الاقتصادي على الشكل القانوني" — وهو مبدأ يُقر به العالم أجمع في قراءة العقود والمعاملات.
كلا المبدأين يصبّان في اتجاه واحد:
القانون وسيلة لا غاية، والهدف هو تحقيق النتيجة العادلة.
ثانيًا: متى تحولت التشريعات إلى قيد ؟
يلاحظ أن هذا التحول برز بوضوح في العقد الماضي، ويعود في تقديري إلى سببين رئيسيين:
السبب الأول: أتمتة الإجراءات:
استعملت الجهات الإدارية الأنظمة التقنية لتسريع الأعمال واختصار الوقت، فأصبح النظام لا يقبل إلا إجابةً واحدة بشكل واحد لا غير، وهذا الأمر حقّق أهدافه في غالب الأحوال، لكن ماذا عمّن لم يستطع تقديم النماذج المطلوبة ؟
غالبًا هو ليس مسؤولًا عن هذا النقص — إذ لو لم يكن النظام يشترط شكلًا بعينه لاستطاع تجاوز هذه الشروط والحصول على مراده، وللتدليل على ذلك، إليك ثلاثة أمثلة من الواقع:
المثال الأول:
طالب يذهب إلى عمادة القبول والتسجيل ليطلب التسجيل في الفصل الصيفي، فيجد أمامه الموظف المسؤول ذاته، فيطلب منه الموظف إرسال بريد إلكتروني بدلًا من معالجة الطلب أمامه مباشرة؛ الشكل أعاق تحقيق الجوهر.
المثال الثاني:
من يزور المحكمة للاستفسار عن إجراء لا يترتّب عليه أيّ أثر قانوني، فيُطلب منه رفع طلب عبر منصة إلكترونية بدلًا من الإجابة الفورية؛ استفسار بسيط تحوّل إلى إجراء رسمي.
المثال الثالث:
محامٍ يذهب إلى جهة إدارية للاستفسار عن آلية معالجة أمر ما أو الخط الزمني لمعاملة معينة — أيّ أنه لا يطلب إجراءً بالذات ولا يتصرف في حق موكله، بل يستفسر فحسب فيطلب منه الموظف تقديم وكالة، والمفارقة الصارخة أن الوكالة وُجدت لإثبات الصفة في التصرف القانوني، لا لإجازة السؤال عن معلومة عامة.
السبب الثاني: تعامل غير المتخصصين مع فرض التشريعات:
حين يتولى غير المتخصص تطبيق النص القانوني، يلجأ بطبيعته إلى التمسك الحرفي بالإجراء خشية الخطأ، فيتحول النص من أداة تحقيق عدالة إلى درع يحتمي به الموظف من المساءلة.
النتيجة:
موظف بيروقراطي لا يسأل "ما الهدف من هذا الإجراء ؟" بل يسأل "هل اكتملت الأوراق ؟"
ثالثًا: نطاق الظاهرة — أين تقع المشكلة ؟
تتكون الدولة من ثلاث سلطات، والمثير للانتباه أن هذه الظاهرة لا تتوزع عليها بالتساوي:
السلطة التشريعية:
لا تهدف من نصوصها إلى اتباع آلية بل تحقيق نتيجة، المشرّع حين يضع القانون يضع في ذهنه غايةً اجتماعية أو اقتصادية أو حقوقية.
السلطة القضائية:
لا تلتزم بالنصوص حرفيًا، بل تُعمل مبادئ التفسير والمقاصد والاجتهاد، القاضي يبحث عن العدالة لا عن الشكل القانوني.
السلطة الإدارية:
هنا تكمن المشكلة، إذ أدخلت غير المتخصصين في فرض التشريعات، فانقلب الأصل من الإباحة إلى التحريم، وأصبح الموظف العام يرفض ما لم يُجِزه النظام الإلكتروني صراحةً، حتى لو كانت الغاية من الإجراء متحققة تمامًا.
رابعًا: الحل
زرع مبدأ "الأصل في الأشياء الإباحة" إداريًا المطلوب ليس إلغاء الإجراءات، بل إصلاح العقلية التي تُدار بها، ويتحقق ذلك من خلال ثلاثة محاور:
أولًا:
فتح باب التصحيح اللاحق — بدلًا من الرفض الكامل حتى اكتمال الشكل المطلوب، يُمكَّن الموظف من قبول المعاملة ومعالجتها مع إتاحة استكمال الشكليات لاحقًا متى كان الجوهر متحققًا.
ثانيًا:
زرع مبدأ "الأصل في الأشياء الإباحة" لدى الموظف العام، بدلًا من عقلية "الأصل في الأمور التحريم".
يتغير بذلك سؤال الموظف من "هل أجاز النظام هذا ؟" إلى "هل ثمة ما يمنع هذا ؟"
ثالثًا:
تحويل فهم الموظف من حارس للشكل القانوني إلى محقّق للجوهر القانوني أيّ أن يفهم الهدف المرجو من المستندات المطلوبة، لا أن يتمسك بصورتها، فالوكالة وُجدت لغاية، والنموذج وُجد لغاية، والإجراء وُجد لغاية، وتلك الغاية هي المعيار.
الخاتمة:
القانون لم يُوجَد ليكون عائقًا، ولم تُصَغ اللوائح لتصبح أقفالًا، حين ينقلب الأصل من الإباحة إلى التحريم، لا يخسر المواطن وحده، بل كذلك تخسر الدولة وقتها ومواردها.
التشريع الجيد هو الذي يُسأل دائمًا:
ما النتيجة التي يريد تحقيقها ؟
لا ما الشكل الذي يشترطه ؟
وما لم تُدرك الجهات الإدارية أن دورها تحقيق غاية القانون لا حراسة نصه، فسيظل الأصل في أشياء كثيرة للأسف التحريم.




