بين الدلة والفنجال .. حكاية قانون عاشها الأجداد
بقلم: رغد الشمري
تدقيق: عبدالعزيز العيد
لطالما تساءلت؛ كيف كان الأجداد يطبّقون القانون في زمنٍ لم تكن فيه الأنظمة مدوّنة كما هي اليوم ؟
كيف كان المظلوم يسترد حقه ؟ وكيف كانت المرأة تنال حقوقها ؟ وكيف كانت تتم عمليات البيع والشراء ؟ وهل كانت الكلمة وحدها تكفي لإبرام الاتفاق وإقامة الحجة ؟
ورغم أن كثيرًا من الأجداد لم يدرسوا القانون دراسة أكاديمية، إلا أنهم امتلكوا من الحكمة والفطرة السليمة ما جعلهم قادرين على حفظ الحقوق، وإصلاح ذات البين، ودرء النزاع قبل أن يتسع، كانوا يدركون أن العدل ليس خيارًا، بل هو أساس الاستقرار، وأن الظلم بداية لانكسار المجتمع وتفككه، لذلك كانت مجالسهم بمثابة محاكم فطرية تُدار بالحكمة والإنصاف قبل أن تُدار بالأنظمة واللوائح.
في تلك المجالس، التي تمتد بين رائحة القهوة العربية وصوت الدلة وصدى "الفنجال"، كانت تُعرض القضايا بكل شفافية، لا محامين ولا مذكرات قانونية، بل شيوخٌ يُحسنون الإصغاء، وأطرافٌ تُحسن الحديث، وقلوبٌ تبحث عن الحق قبل الانتصار، كم من أرضٍ عادت إلى صاحبها بعد نزاع طويل، وكم من خصومة بين جيران أُغلقت أبوابها بكلمة صادقة، وكم من ميراثٍ سُوّي بعد خلاف كاد أن يمزق الأسر.
وكانت المرأة، رغم اختلاف السياقات، حاضرة في تلك المنظومة الاجتماعية؛ تُحفظ حقوقها في الزواج والميراث والمعاش، ويُنظر إلى مظلوميتها بعين الإنصاف والستر، لأن السمعة آنذاك كانت قانونًا اجتماعيًا صارمًا، لا يُستهان به ولا يُفرّط فيه، وكذلك اليتيم، كان له نصيب من الرعاية والحفظ حتى يبلغ أشده، فلا يُمس ماله ولا يُؤكل حقه.
وكانت الكلمة عهدًا، والاتفاق التزامًا، واليمين وثيقة لا تحتاج توقيعًا، فالمجتمع قائم على الثقة، ومن يخلّ بها يخسر مكانته قبل أيّ شيء آخر، لذلك كان الإصلاح أول المسارات، والصلح مقصدًا قبل الخصومة، فإن تعذّر ذلك كان القضاء هو الملجأ الأخير لاسترداد الحقوق، وإعادة التوازن بين الأطراف.
وكما نعلم، فإن المملكة العربية السعودية تستمد أنظمتها وأحكامها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الأساس الذي قامت عليه الدولة منذ تأسيسها، وقد نص النظام الأساسي للحكم الصادر عام ١٤١٢ هـ في مادته الأولى على أنه:
المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض.
وهذا الامتداد بين الماضي والحاضر ليس انقطاعًا، بل هو تطورُ من العدالة الفطرية إلى العدالة النظامية، ومن حكمة المجلس إلى دقة النص، ومن صوت الدلة إلى صوت القضاء.
وقد قيل لي ذات مرة:
ما لا يُؤخذ بالتراضي يُؤخذ بالتقاضي، فبقيت هذه العبارة عالقة في ذهني؛ لأنها تختصر فلسفة العدالة كلها، فالأصل هو التراضي، وجبر القلوب، ولمّ الشمل، وحل النزاع بالحكمة قبل الخصومة، فإن استعصى ذلك بقي الحق محفوظًا لا يسقط، والقضاء هو الطريق الذي يُعيد لكل ذي حق حقه دون ظلم أو تجاوز.
وفي الختام، أكتب إليكم من زمنٍ آخر، ومن جيلٍ مختلف؛ جيل عرف العدالة في صورتها الحديثة المنظمة، لكنه لم ينفصل عن جذورها الأولى التي غرسها الأجداد بالحكمة، والسمعة، والوفاء.
رسالتنا إليكم أن عدالتكم التي كانت تُدار بالكلمة والسمعة والرجولة ما زالت حية فينا، وأن اختلاف الزمن لم يُلغِ قيمكم، بل وثّقها، وصاغها، وحماها في أنظمة تُكمل ما بدأتموه لا أن تنفيه.
فسلامٌ على عدلكم القديم، وسلامٌ على أثرٍ ما زال ممتدًا في حاضرنا، وسلامٌ على مجتمعٍ عرف القانون قبل أن تُكتب مواده، وعرف العدالة قبل أن تُصاغ بنودها.
