كيف أصبح تملك العقار في المملكة العربية السعودية لغير السعوديين واقعًا ملموسًا ؟
بقلم: نوره الرويلي
تدقيق: عبدالعزيز العيد
المقدمة:
يشكّل النمو السكني المتزايد في المملكة العربية السعودية المحرك الأساس لحركة السوق العقاري، بالتزامن مع اتخاذ العديد من الكيانات والمشروعات العالمية الكبرى للمملكة مقرًا رئيسًا لها وتأسيسًا على هذه الأهمية المتصاعدة وتمدد الرقعة الاستثمارية في هذا القطاع الحيوي إثر تدفق الاستثمارات الأجنبية؛ فأخذ المشرع على عاتقه تهيئة بيئة عقارية آمنة ومستقرة عبر إصدار (نظام تملك غير السعوديين للعقار)، وفي ضوء المعايير النظامية المستحدثة التي اتسمت بالمرونة والدقة في استيعاب المتغيرات العالمية، ومع التحول المؤسسي العميق الذي تقوده رؤية المملكة 2030، انتقل التنظيم القانوني للعقار من الأطر التقليدية ليكون مباشرة في التمكين، والمحافظة على الحقوق، بما يتواءم مع مستهدفات الانفتاح الاقتصادي والرقمنة الشاملة للقطاعين العدلي والعقاري.
أولًا: التعريفات النظامية:
بناءً بما جاء بنظام المعاملات المدنية في مادته الثانية والعشرون لتعريف العقار بأنه:
العقار كلُّ شيءٍ ثابتٍ في حيزه لا يمكن نقله منه دون تلفٍ أو تغيُّرٍ في هيئته، وما عدا ذلك فهو منقول.
وجاء في نظام تملك غير السعوديين للعقار وعرّف غير السعودي في مادته الأولى بأنه:
١- الشخص ذو الصفة الطبيعية الذي لا يحمل الجنسية السعودية.
٢- الشركة غير السعودية.
٣- الكيان غير السعودي غير الربحي.
٤- أيّ شخص ذي صفة اعتبارية غير سعودي آخر يحدد بقرار من مجلس الوزراء.
اشتملت المادة على الشخص الطبيعي والاعتباري أو المعنوي.
ثانيًا: التنظيم القانوني لتملك غير السعوديين:
مراحل التطور والمعالجة النظامية:
ومن خلال المقارنة التحليلية بين النظام الأساس والتشريعات المستحدثة، نتبيّن وجود تغيرات جوهرية طرأت على شروط الاستحقاق ونطاق الحقوق العينية الممنوحة لغير السعوديين.
أولًا: أحكام التملك السابقة:
وفقًا لنظام تملك غير السعوديين للعقار:
المقيمون:
كان يسمح للأجنبي (الشخص الطبيعي) ويحمل إقامة نظامية سارية الحصول على عقار واحد خاص للسكن وهذا مرتبط بناءً على موافقة من وزارة الداخلية، بشرط ألا يكون عليه أيّ ملاحظات أمنية، وأن يكون العقار مخصصًا لسكنه هو وأسرته فقط.
الاستثمار الأجنبي:
سمحت المملكة للشركات (الشخص الاعتباري) والمستثمرين الأجانب بتملك العقارات اللازمة لمزاولة نشاطهم أو لسكن عمالهم، لكنها ربطت ذلك بالحصول على ترخيص الاستثمار، واشترطت ألا تقل تكلفة المشروع الاستثماري عن (ثلاثين) مليون ريال.
الحظر المطلق:
حظّرت المملكة بشكل قاطع وفقًا للنظام على غير السعودي تملّك العقارات بأيّ طريق في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة (باستثناء بالإرث)، واقتصرت حقوقهم هناك على الاستئجار، كإجراء سيادي للحماية.
ثانيًا: التحولات النظامية الجديدة:
بموجب نظام تملك لغير السعوديين العقار (التحديث إعادة تكوين الوعاء الاستثماري العقاري):
أدرك المنظم السعودي أن النصوص السابقة لا تتناسب مع متطلبات التحول الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي، لذا تم استحداث مسارات وتحولات وأنظمة جديدة عملت على إلغاء النظام القديم وحلول التنظيم الجديد الصادر تحت إشراف الهيئة العامة للعقار، مستبدلًا الموافقات الإدارية التقليدية بأدوات حوكمة رقمية ومعايير تنظيمية معلنة:
١- إتاحة التملك لغير المقيمين:
حيث أقرّت جواز تملّك غير السعودي (طبيعيًا كان أم اعتباريًا) للعقارات أو اكتساب أيّ حق عيني عليها، دون اشتراط الإقامة النظامية داخل المملكة.
٢- وضع النطاقات الجغرافية الرقمية:
ألغى النظام الجديد شرط موافقة وزارة الداخلية للمقيمين، واستعاض عنه بخرائط ونسب مئوية رقمية تحددها الهيئة العامة للعقار لكل حي ومدينة، بحيث يُتاح التملك آليًا ما دام العقار يقع ضمن النطاق المسموح والنسبة الآمنة.
٣- مكة المكرمة والمدينة المنورة:
حفاظًا على الخصوصية والقدسية التاريخية والديموغرافية للحرمين الشريفين، صاغت مواد النظام الجديد حيث أبقت على الحظر المطلق لتملّك الأجانب (أفرادًا وشركات) وجعلتها لـ "ملكية الرقبة" في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولكنها استحدثت في المقابل أدوات استثمارية بديلة تنقسم إلى:
حق الانتفاع:
إجازة اكتساب حقوق عينية مؤقتة (انتفاع) لمدد طويلة تصل إلى (تسعة وتسعون) عامًا وفق الاشتراطات بشرط إلزام الإسلام.
الاستثمار غير المباشر:
السماح للأجانب بالاستثمار العقاري في الحرمين الشريفين عبر شراء الأسهم في الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) التي تمتلك عقارات في تلك المناطق، مما يحقّق توازنًا عبقريًا بين صون القدسية التشريعية وتدويل تدفقات رؤوس الأموال.
ثالثًا: الأثر النظامي للرقمنة في تعزيز موثوقية الحقوق:
إن هذا الانتقال المرتكز على نصوص المواد الجديدة، يكتسب نفاذه العملي من خلال الارتباط التنفيذي بـ "نظام التسجيل العيني للعقار"، إن قيد الملكيات وحقوق الانتفاع المقررة نظامًا للأجانب عبر منصات الهيئة العامة للعقار الرقمية، يضمن تحصين الأعيان العقارية من النزاعات القانونية، ويوفّر بيئة تتمتع بأعلى درجات الشفافية واليقين القضائي، بما يكفل فصل الذمة المادية للمستثمر عن الالتزامات الشخصية وسرعة نفاذ العقود وتداولها.
الخاتمة:
تأسسًا على ما تقدّم، فإن مواد نظام تملك غير السعوديين للعقار الجديد قامت بمنح الشخص غير السعودي الطبيعي والاعتباري أو المعنوي الحقوق العينية الكاملة إلا في حالات معينة وشروط نص عليها المشرع، وهنا تثبت براعة المشرع السعودي في الانتقال بالمنظومة العقارية من "الحالة الحارسة" إلى "الحالة المُمكِّنة "، يُرسخ مكانة المملكة العربية السعودية كبيئة قانونية ريادية، دون المساس بالثوابت السيادية للدولة، إن هذا النظام يقف للعالم أجمع أن البيئة الاستثمارية في المملكة لا تحكمها التقديرات الإدارية العابرة، بل تضمنها مواد تشريعية راسخة، تصنع اقتصادًا مستدامًا.

