الشرط الجزائي في ضوء نظام المعاملات المدنية السعودي
بقلم: أسامة المظفري.
تدقيق: عبدالعزيز العيد.
المقدمة:
يُعد الشرط الجزائي من الوسائل القانونية المهمة التي يلجأ إليها المتعاقدون لضمان تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقود، إذ يهدف هذا الشرط إلى حماية حقوق الأطراف والحد من حالات المماطلة أو الإخلال بالالتزامات التعاقدية، ويقوم هذا الشرط على اتفاق مسبق بين أطراف العقد يتم بموجبه تحديد مقدار التعويض الذي يستحقه أحدهم إذا أخل الطرف الآخر بالتزامه، سواءً كان ذلك الإخلال ناتجًا عن عدم التنفيذ أو عن التأخر فيه، وقد نظّم نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/١٩١) وتاريخ ١٤٤٤/١١/٢٩ هـ، هذه المسألة ضمن أحكامه، حيث أجاز للمتعاقدين الاتفاق على تقدير التعويض مقدمًا في حال وقوع الإخلال بالالتزام، وهو ما يعكس حرص المنظم على تحقيق التوازن بين حرية التعاقد وضمان العدالة بين الأطراف.
أولًا: مفهوم الشرط الجزائي:
يقصد بالشرط الجزائي ذلك الاتفاق الذي يدرج في العقد ويقضي بإلزام أحد المتعاقدين بدفع مبلغ محدد للطرف الآخر في حال إخلاله بالتزاماته التعاقدية، ويعد هذا الشرط في حقيقته تقديرًا اتفاقيًا للتعويض عن الضرر المتوقع من عدم تنفيذ الالتزام أو التأخر في تنفيذه، وليس عقوبة تفرض على المدين، وإنما وسيلة لتعويض الطرف المتضرر عن الضرر الذي قد يلحق به نتيجة الإخلال بالعقد.
وقد نصت المادة (الثامنة والسبعون بعد المائة) من نظام المعاملات المدنية على أنه:
يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدمًا مقدار التعويض بالنص عليه في العقد أو في اتفاق لاحق؛ ما لم يكن محل الالتزام مبلغًا نقديًا، ولا يشترط لاستحقاق التعويض الإعذار، وهو ما يوضّح الأساس النظامي لإقرار الشرط الجزائي في العقود.
ثانيًا: الطبيعة القانونية للشرط الجزائي:
يتميز الشرط الجزائي بطبيعته القانونية كتعويض اتفاقي يقرّره الطرفان مسبقًا عند إبرام العقد، وهو بذلك يختلف عن التعويض القضائي الذي يتم تقديره من قبل المحكمة بعد وقوع الضرر، فالشرط الجزائي يحدد مقدمًا مقدار التعويض الذي يستحق عند الإخلال بالعقد، بينما التعويض القضائي يعتمد على تقدير المحكمة للضرر الفعلي الذي لحق بالطرف المتضرر وفقًا للظروف والملابسات الخاصة بكل حالة، وقد نظّم نظام المعاملات المدنية مسألة التعويض وأساسه في المواد (السادسة والثلاثون بعد المائة- التاسعة والثلاثون بعد المائة)، التي قرّرت مبدأ التعويض عن الضرر في حال الإخلال بالالتزام، كما أشارت المادة (الثمانون بعد المائة) إلى أن المطالبة بالتعويض قد تكون وفق ما تم الاتفاق عليه أو وفق تقدير القضاء.
ثالثًا: شروط صحة الشرط الجزائي:
ولصحة الشرط الجزائي وفق أحكام نظام المعاملات المدنية لابد من توافر مجموعة من الضوابط الأساسية، من أهمها:
وجود التزام أصلي صحيح يستند إليه هذا الشرط، إذ لا يمكن تصوّر وجود شرط جزائي مستقل عن التزام تعاقدي قائم.
كما يجب أن يكون استحقاق هذا الشرط مرتبطًا بوقوع إخلال بالعقد، سواءً كان ذلك الإخلال على صورة عدم تنفيذ الالتزام أو التأخر في تنفيذه.
كذلك يشترط ألا يكون محل الالتزام الأصلي مبلغًا نقديًا، وهو ما نصّت عليه المادة (الثامنة والسبعون بعد المائة) صراحةً، وذلك منعًا لفرض زيادة مالية مقابل التأخر في سداد الدين النقدي.
كما يجب أن يكون الشرط الجزائي محددًا من حيث المبلغ أو قابلًا للتحديد بطريقة واضحة، إضافة إلى ضرورة توافقه مع أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المعمول بها في المملكة.
رابعًا: حالات تطبيق الشرط الجزائي:
يُطبّق الشرط الجزائي عند تحقّق إخلال أحد أطراف العقد بالتزاماته التعاقدية، ويظهر ذلك في عدة صور، منها التأخر في تنفيذ الالتزام، أو عدم تنفيذه كليًا، أو تنفيذه بشكل جزئي لا يحقّق الغرض المقصود من العقد.
ومن الأمثلة العملية الشائعة ما يرد في عقود المقاولات من اشتراط مبلغ محدد يدفعه المقاول عن كل فترة تأخير في تسليم المشروع، وهو ما يعد من التطبيقات المشروعة للشرط الجزائي، وفي المقابل لا يجوز الاتفاق على شرط جزائي في العقود التي يكون محل الالتزام فيها سداد مبلغ نقدي، كما هو الحال في بعض عقود البيع بالتقسيط؛ فإذا اتفق الطرفان على فرض غرامة مالية عند التأخر في السداد فإن ذلك يدخل في نطاق المنع، استنادًا إلى نص المادة (الثامنة والسبعون بعد المائة) من نظام المعاملات المدنية التي قرّرت عدم جواز اشتراط الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام مبلغًا نقديًا.
كما أكد ذلك قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي رقم (١٠٩/١٢/٣)، الذي نص على أنه:
يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإن هذا من الربا الصريح.
خامسًا: سلطة القضاء في تعديل الشرط الجزائي:
منح نظام المعاملات المدنية القضاء سلطة تقديرية في التعامل مع الشرط الجزائي بما يحقّق العدالة بين أطراف العقد، حيث نصّت المادة (التاسعة والسبعون بعد المائة الفقرة الثانية) على أنه:
يجوز للمحكمة تخفيض قيمة التعويض المتفق عليه إذا ثبت أن المدين قد نفّذ جزءًا من التزامه أو إذا كان التقدير مبالغًا فيه بدرجة كبيرة مقارنة بالضرر الفعلي.
كما يجوز للمحكمة كذلك عدم الحكم بالشرط الجزائي إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أيّ ضرر من جراء الإخلال، وتؤكد هذه السلطة القضائية أن الشرط الجزائي، رغم كونه اتفاقًا بين الأطراف، يظل خاضعًا لرقابة القضاء تحقيقًا لمبدأ العدالة ومنعًا للتعسف في استعمال الحق.
سادسًا: أهمية صياغة الشرط الجزائي في العقود:
تبرز أهمية صياغة الشرط الجزائي بصورة واضحة ومحددة ضمن بنود العقد، بحيث يتم النص صراحة على الحالات التي يستحق فيها التعويض، وطريقة احتسابه، وقيمة المبلغ أو الآلية التي يتم تحديده من خلالها، كما ينبغي عند إعداد العقود مراعاة توافق هذا الشرط مع أحكام نظام المعاملات المدنية والأنظمة الأخرى ذات الصلة، وتقدير قيمته بشكل معقول يتناسب مع طبيعة الالتزام والضرر المتوقع من الإخلال به، وذلك تجنبًا لأيّ نزاع قد ينشأ مستقبلًا بشأن مدى مشروعيته أو مقدار التعويض المستحق.
الخاتمة:
في ضوء ما تقدّم يتضح أن الشرط الجزائي يمثل أداة قانونية مهمة تسهم في تعزيز الثقة في المعاملات التعاقدية وتشجع على الالتزام بتنفيذ العقود وفق ما تم الاتفاق عليه، وقد سعى نظام المعاملات المدنية السعودي من خلال المواد (الثامنة والسبعون بعد المائة- الثمانون بعد المائة) إضافة إلى القواعد العامة للتعويض الواردة في المواد (السادسة والثلاثون بعد المائة- التاسعة والثلاثون بعد المائة) إلى تنظيم هذا الشرط بما يحقّق التوازن بين حرية الأطراف في تنظيم علاقاتهم التعاقدية وبين حماية المتعاملين من الشروط غير العادلة أو المخالفة لأحكام الشريعة، الأمر الذي يعزّز استقرار المعاملات ويحفظ الحقوق ويحقق العدالة بين أطراف العقد.



