بقلم/ أسامة المظفري
تدقيق/ رنا آل قاسم – عبدالعزيز العيد
مقدمة
تُعد عقود الإيجار التجارية من الركائز الأساسية للنشاط الاقتصادي ومن أكثر العقود شيوعًا نظرًا لتوسع الأنشطة التجارية، إذ تُمكّن التاجر من مزاولة نشاطه عبر استغلال موقع تجاري مقابل أجرة متفق عليها؛ غير أن البيئة الاقتصادية لا تسير على وتيرة واحدة، بل تتعرض لتقلبات قد تكون حادة ومفاجئة، كارتفاع معدلات التضخم، أو الركود، أو الأزمات العامة، أو حتى ضعف المدخول التجاري الذي قد ينقلب إلى خسارة ثابته تؤدي في نهايتها إلى إتلاف التاجر البسيط وغير البسيط، مما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المستأجر على الوفاء بالتزاماته، وعلى توقعات المؤجر في استيفاء العائد المتفق عليه، الأمر الذي سيؤثر على عجلة الاقتصاد بصورة سلبية حيث أن التجار هو من يحرك هذه العجلة.
وتبرز هنا إشكالية قانونية مهمة تتمثل في مدى تأثير الظروف الاقتصادية على إستقرار عقد الإيجار التجاري، وهل يبقى العقد ملزمًا بذات شروطه رغم إختلال التوازن الاقتصادي، أم أن النظام يجيز إعادة النظر فيه أو حتى إبطاله في حال استدعت الظروف إلى ذلك تحقيقًا للعدالة ؟
أولاً: المفاهيم القانونية المؤطرة للعلاقة الإيجارية
أولا: عقد الإيجار التجاري
هو عقد يلتزم بموجبه المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بعقار مخصص لنشاط تجاري لمدة محددة مقابل أجرة معلومة، ويخضع هذا العقد لأحكام نظام المعاملات المدنية السعودي باعتباره من العقود الملزمة للجانبين.
ثانيا: الظروف الاقتصادية
هي التغييرات التي تطرأ على البيئة الاقتصادية العامة وتؤثر في الأسواق، مثل التضخم، إنخفاض القوة الشرائية، إرتفاع التكاليف التشغيلية، أو الأزمات المالية، والتي قد تؤدي إلى إرهاق أحد أطراف العقد دون أن تجعل التنفيذ مستحيلًا.
ثالثا: القوة القاهرة
هي حادث استثنائي غير متوقع ولا يمكن دفعه، يجعل تنفيذ الإلتزام مستحيلًا إستحالة مطلقة، ويترتّب عليه إنقضاء الإلتزام أو فسخ العقد.
رابعا: نظرية الظروف الطارئة
هي نظرية قانونية تقضي بأنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة غير متوقعة بعد إبرام العقد، وأصبح تنفيذ الإلتزام مرهقًا للمدين دون أن يبلغ حد الاستحالة، جاز للقاضي تعديل الإلتزام بما يرفع الإرهاق ويعيد التوازن العقدي.
ثانيًا: القوة الملزمة للعقد والاستثناءات الواردة عليها
الأصل في العقود ومن بينها عقد الإيجار التجاري، أنها ملزمة لطرفيها وفقًا لمبدأ القوة الملزمة للعقد، تحقيقًا للإستقرار والثقة في المعاملات؛ غير أن هذا المبدأ ليس مطلقًا، إذ يرد عليه استثناء في حال طرأت ظروف استثنائية تؤدي إلى إختلال التوازن الاقتصادي للعقد سواءً كانت تلك الظروف عامة أم خاصة.
فالظروف الاقتصادية، كارتفاع الأسعار أو إنخفاض الإيرادات بشكل حاد، لا تُعد في ذاتها قوة قاهرة لأنها لا تجعل تنفيذ الإلتزام مستحيلًا، وإنما قد تجعله مرهقًا للمستأجر، خصوصًا إذا تراجعت أرباح النشاط التجاري بصورة غير متوقعة، مثل أن يصبح المشروع يخسر بصورة كبيرة وبشكل ثابت، فهنا يثور التساؤل حول إمكانية طلب إنقاص الأجرة أو تعديل شروط العقد أو حتى إبطاله.
ثالثًا: التحليل النظامي للمادة (الثانية والأربعون بعد الأربعمائة) من نظام المعاملات المدنية وسلطة القضاء التقديرية
وقد كرس المنظم في نظام المعاملات المدنية السعودي مبدأ إعادة التوازن العقدي في حالات الإرهاق غير الحاد والمهلك لذمة التاجر، حيث نصّ المنظم في المادة الثانية والأربعون بعد الأربعمائة في الفقرة الأولى على أنه:
لكل من المتعاقدين طلب فسخ عقد الإيجار إذا حدث عذر طارئ متعلق به، ويلزمه تعويض المتعاقد الآخر عما ينشأ عن هذا الفسخ من ضرر.
فهنا المنظم أراد تنظيم حالة استنزاف التاجر عبر العقود التي لا تعدو عن كونها عقود إضرار بالتاجر، إلا أنها مقيّدة بحسب تقدير القاضي لهذه الظرف مانحًا القاضي سلطة تقديرية في تعديل الإلتزام إلى الحد المعقول إذا توافرت شروط الحادث الاستثنائي أو حتى إبطال العقد إذ كان هناك وجهً لهذا المسلك، ولكن فكما نعلم أن عقود الإيجار من العقود الملزمة للجانبين وعليه يبقى لازمًا، وحيث أن المنظم أجاز إبطال العقد في حالة خاصة بحسب تقدير القاضي إلا أنه لم يهضم حق المؤجر في هذه المادة فقد نصّ على وجوب تعويض الطرف الآخر بالصورة المناسبة بحسب تقدير القاضي، ويهدف هذا الإتجاه إلى تحقيق العدالة العقدية ومنع تعسّف أحد الطرفين في التمسك الحرفي بنصوص العقد رغم تغير الظروف بصورة جوهرية.
وفي نطاق عقود الإيجار التجارية، قد تتجسد المعالجة في إنقاص الأجرة مؤقتًا، أو تأجيل السداد، أو إعادة جدولة الإلتزامات، بحسب جسامة الظرف ومدى تأثيره المباشر على النشاط التجاري؛ غير أن ذلك يخضع لتقدير القضاء، ويتطلب إثبات أن الظرف كان مرهقًا لجدرة الإضرار الجسيم وغير متوقع وقت التعاقد.
الخاتمة:
يتبيّن أن الظروف الاقتصادية لا تؤدي تلقائيًا إلى فسخ عقد الإيجار التجاري أو إسقاط الأجرة، بل يظل الأصل هو بقاء العقد ملزمًا، غير أنه إذا بلغت هذه الظروف حدًا يجعل تنفيذ الإلتزام مرهقًا إرهاقًا جسيمًا بسبب حادث استثنائي غير متوقع، فإن النظام يجيز تدخّل القاضي لإعادة التوازن بين الطرفين دون الإخلال بإستقرار المعاملات، وبذلك يتحقّق التوازن بين مبدأ إستقرار العقود ومبدأ العدالة، فلا يُترك المدين فريسة لظروف قاهرة عليه ولا يُهدر حق الدائن دون مبرر مشروع.
إن عقود الإيجار التجارية تمثل عصبًا حيويًا للاقتصاد ومن ثم فإن الحفاظ على استقرارها أمر ضروري؛ غير أن الإستقرار لا يعني الجمود، بل يقتضي مرونة نظامية تُمكّن من معالجة الإختلالات الطارئة، وقد وفّر النظام السعودي إطارًا متوازنًا يتيح للقضاء التدخل في الحدود التي ترفع الإرهاق وتعيد التوازن العقدي دون الإضرار بمبدأ القوة الملزمة للعقد، وعليه فإن التوفيق بين إستقرار المعاملات التجارية وتحقيق العدالة بين المتعاقدين يظل الهدف الأسمى عند بحث أثر الظروف الاقتصادية على عقود الإيجار التجارية.
