مسؤولية الوسطاء الإلكترونيين تجاه الضرر: دراسة مقارنة بين المملكة العربية السعودية والاتحاد الأوروبي

بقلم: محمد بن عبدالله

مقدمة

تعد مهنة الوساطة من المهن التي لا يُستغنى عنها قديمًا وحديثًا، وقد تطورت في عصرنا الحالي لتُمارَس من قِبل شركات كبرى تُدرّ أرباحًا طائلة. ومع التوسع المتسارع في الأسواق الرقمية ومنصات التجارة الإلكترونية، تطورت أعمال الوساطة، وأصبح الوسطاء الإلكترونيون أو “مقدمو الخدمات” يوفرون بيئة رقمية تمكّن البائعين والمشترين من إجراء معاملاتهم دون أن يكونوا طرفًا مباشرًا في العقد المبرم بينهم.
وتُعد منصتا “حراج” في السعودية و”Facebook Marketplace” في أوروبا من أبرز نماذج شركات الوساطة الإلكترونية.

وتهدف هذه المقالة إلى إجراء مقارنة بين الإطار القانوني لمسؤولية الوسطاء الإلكترونيين عند حدوث ضرر، سواء للمستهلك أو للبائع، في كل من المملكة العربية السعودية والاتحاد الأوروبي، مع التركيز على المبادئ القانونية والتشريعية الحاكمة، والاستثناءات من المسؤولية، والتفسيرات القضائية ذات الصلة.

أولاً: الإطار القانوني في الاتحاد الأوروبي لمسؤولية الوسطاء الإلكترونيين

اعتمد الاتحاد الأوروبي إطارًا قانونيًا متقدمًا ومنظمًا مسؤولية مقدمي الخدمات عبر الإنترنت، يُعرف بـ “نظام الملاذ الآمن” (Safe Harbour)، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية الحقوق من جهة، وتشجيع نمو منصات مقدمي الخدمات في بيئة الاقتصاد الرقمي من جهة أخرى.

  1. يشكّل هذا التوجيه الأساس القانوني لمسؤولية الوسطاء في الاتحاد الأوروبي. ووفقًا للمادتين 12 إلى 15، يتمتع مقدمو الخدمات مثل منصات الاستضافة أو النقل أو التخزين بـ إعفاء من المسؤولية إذا توفرت الشروط التالية:
    1) أن يكون دورهم محايداً وفنياً بحتاً، دون تدخل في مضمون المحتوى أو ترتيبه
    2) ألا يكون لديهم علم فعلي بالنشاط غير القانوني
    3) أن يتصرفوا ” بسرعة معقولة” لإزالة المحتوى أو تعطيل الوصول إليه بمجرد العلم بوجوده
  1. أحدث هذا التنظيم نقلة نوعية في تطوير الإطار القانوني، جاء كرد على التحديات الحديثة مثل المعلومات المضللة والمنتجات غير الامنة، تضخم دور المنصات الكبرى، ومن أبرز ما أتى به القانون:
:small_blue_diamond:

ثانياً: المملكة العربية السعودية:

“كنا في عهد رسول الله ﷺ نُسمّى السماسرة، فمرّ بنا المصطفى ﷺ فسمّانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة.”

نظام التجارة الإلكترونية (الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/126 لعام 2019)

ويُعد نظام التجارة الإلكترونية (الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/126 لعام 2019) المرجعية النظامية الرئيسية في المملكة العربية السعودية في هذا المجال. وقد عرّفت وزارة التجارة المنصات التي تؤدي دور الوساطة بين موفّر الخدمة والمستهلك بأنها: “أي موقع إلكتروني أو تطبيق يُوفّر خدمات ميسّرة للتجارة الإلكترونية، مثل تقديم الإعلانات عبر الإنترنت، أو الترويج للمنتجات أو الخدمات، أو تمكين قبول الطلبات أو الدفع، أو أي خدمة أخرى تتيح ممارسة التجارة الإلكترونية.” وقد نصت على التزام هذه المنصات ب ثمانية قواعد وفقاً لدليل حقوق وواجبات المستهلك وهي:

1) نشر أحكام وشروط استخدام المنصة
2) نشر أي تعديل جوهري يطرأ على ما تقدمه من خدمات في محلها الإلكتروني
3) الإفصاح عن بيانات المنصة وفقاً للمادة السادسة من نظام التجارة الإلكترونية
4) طلب بيانات موفر الخدمة في المنصة
5) حذف أي محتوى مخالف لأحكام النظام وشروط المنصة
6) تعزيز الأمن السيبراني للمنصة
7) يجب إشعار وزارة التجارة إذا تعرضت المنصة للاختراق
8) الاحتفاظ ببيانات وافية عما يبرم بواسطة المنصة من عقود وتخزينها لمدة لا تقل عن ٣ سنوات

وقد أصدرت وزارة التجارة مشروع نظام المعاملات التجارية في عام 2021، وقد أفردت فيه الباب السابع من الفصل السادس لأحكام وواجبات والتزامات الوسيط.

نصت المادة (149) من المشروع على ما يلي:
“لا يضمن الوسيط الملاءة المالية بين طرفي العقد الذي يتوسط فيه، ولا يسأل عن تنفيذ العقد أو عن قيمة أو وصف البضائع المتعلقة به، إلا إذا ثبت الغش أو الخطأ الجسيم من جانبه.” ويُستفاد من هذا النص أن المشروع يعفي الوسيط من الآثار المترتبة على العقد الذي توسط فيه، ومن ذلك التلف أو الضرر الناشئ عن البضاعة، ما لم يكن قد ارتكب غشًا أو خطأ جسيمًا. وعلى الرغم من أن هذا المشروع لا يزال مسودة منذ عام 2021 ولم يصدر بشكل رسمي، إلا أنه يُظهر توجه وزارة التجارة نحو إقرار مبدأ إعفاء الوسيط من المسؤولية الناشئة عن العلاقة التعاقدية، ما لم يُثبت تدخله السلبي أو تورطه في الغش أو الإهمال الجسيم”.

ثالثًا: الوساطة في الفقه الإسلامي

اختلف الفقهاء في مسألة ضمان مسؤولية الوسطاء عند حدوث الضرر للمستهلك في الفقه الإسلامي، وذهبوا فيها إلى أربعة أقوال. والراجح من هذه الأقوال هو مذهب الحنابلة، الذين فرقوا بين نوعي الأُجراء:


1) أجير الخاص: لا يضمن، ويعد بمنزلة الوكيل، يصرف منفعته فيما أمر به.
2) الأجير المشترك: وهو محل الخلاف، فإنه يضمن إذا وقع الضرر بفعل منه أو بخطأ ارتكبه، أما إن كان الضرر بسبب خارج عن إرادته، فلا يُلزم بالضمان.


ورغم ورود الوساطة (السمسرة) في الشريعة الإسلامية، إلا أن مسألة الضمان عند وقوع الضرر تبقى محل خلاف فقهي، إذ لا يوجد نص صريح يلزم الوسيط بالضمان في جميع الأحوال.
وقد ذكر الإمام الشافعي –رحمه الله– أن كل من يتقاضى أجرًا مقابل عمله يجب أن يكون ضامنًا، سواء كان أجيرًا مشتركًا أو خاصًا. واستدل على ذلك بقول بعض الصحابة رضي الله عنهم، الذين يرون أن الأجرة تقتضي الضمان، لأن من أخذ مالًا مقابل خدمة يتحمل تبعات تلك الخدمة إن أخل بها أو تسبب في ضرر.

كما أن مسألة ضمان الوسيط عن التلف أو الضرر تعد من المسائل التي توقف بعض الفقهاء عن الإفتاء فيه.
ما هي علة التوقف ؟ تغيّر أحوال الناس وفساد الذمم وهو ما يجعل الإفتاء بعدم الضمان محلًّا للخشية. فقد روي عن الإمام الشافعي –رحمه الله– أنه قال: عدم ضمان الأجير، ولكنه امتنع عن الإفتاء بذلك لما رآه من فساد أحوال الناس. ونقل الربيع عنه أنه لم يكن يبوح بهذا القول خوفًا من الضياع والخلل في المعاملات. 

كما رجح ابن رحّال –رحمه الله– عدم ضمان الراعي المشترك، لكنه قال:
“ولا أقدر أن أفتي به لفساد الزمان وكثرة الخيانة، بل نختاره هو الضمان، مع توقفي أيضًا عن الإفتاء به” .

ما هي علة الخلاف؟ تضمين الوسيط عند حدوث التلف أو الضرر في أن مهنة الوساطة قد يشوبها الغش أو التدليس، وذلك بسبب حرص بعض الوسطاء على تحقيق أرباح عالية دون الالتزام بالقيم الشرعية. ولهذا، نص الفقهاء على أن من يتولى مهنة الوساطة أو السمسرة لا بد أن يكون من أهل الثقة، والدين، والأمانة، وصدق القول، حتى لا تفسد المعاملات ويضيع الحق بين الأطراف.

رابعًا: وجه التشابه بين الوساطة الإلكترونية والوساطة التقليدية:

لا تختلف الوساطة الإلكترونية عن الوساطة التقليدية، إذ تنطبق عليها ذات الشروط والأركان، حيث تقوم على التوسط بين طرفي العقد (البائع والمشتري) لإتمام التعاقد لقاء أجر. ويكون موفر الخدمة – أي “الوسيط” – طرفًا ثالثًا في العلاقة، يعمل على تيسير عملية البيع والشراء دون أن يكون طرفًا مباشراً في العقد.
وبالتالي، فإن موفري الخدمات الإلكترونية يُفترض أن تنطبق عليهم قواعد الوساطة المتعارف عليها في النظام السعودي والعرف التجاري، حيث يُعرّف الوسيط أو السمسار بأنه الشخص الذي يعمل على تقريب وجهات النظر بين البائع والمشتري اللذين لا تربطهما معرفة سابقة، وذلك بعرض البضاعة التي يرغب البائع في بيعها على المشتري، والتفاوض نيابة عنهما لإتمام الصفقة بسعر يتفق عليه الطرفان. وقد رأى عدد من التابعين القول بتضمين السمسار في حال وقوع الضرر، حفاظًا على مصلحة المسلمين، وصيانة للمعاملات، ودرءًا للفساد، وذلك نظرًا لما عرف عن حال بعض السماسرة من الغش والخيانة وقلة الأمانة.

فالوساطة الإلكترونية و الوساطة التقليدية لا يوجد بينهم خلاف، فتنطبق عليها كل شروط الوساطة وهي التوسط بين المتعاقدين لإتمام التعاقد بأجر، وموفر الخدمات ” الوسيط” والبائع والمشتري. والمفترض أن تنطبق على موفري الخدمات الالكترونية قواعد الوساطة وفقاً للعرف التجاري، فالوسيط أو السمسار في النظام السعودي: هو الشخص الذي يعمل على تقريب وجهات النظر ما بين البائع والمشتري الذين لا يعرفون بعضهم البعض، من خلال عرض البضاعة التي يرغب البائع ببيعها على المشتري، ومفاوضته لشرائها وفقاً لسعر محدد يتفق عليه الطرفان.
ولما كان جملة من التابعين قد قالوا بالتضمين حفاظاً على مصلحة المسلمين وصيانة أمورهم ودرء للفساد، لما علم من حالة السماسرة من الخيانة وقلة الثقة”.

خامسًا: أكثر الوسائل فاعلية في الحد من الضرر وضمان الحقوق في الوساطة الإلكترونية:

 التزام الوسيط بتوثيق بيانات أطراف المبايعة، لما لذلك من أهمية في تسهيل الرجوع على الطرف المسؤول عند وقوع الضرر. غير أن الواقع العملي يُظهر أن العديد من موفري الخدمات الإلكترونية قد أهملوا هذا الجانب الجوهري، ما أدى إلى تفشي ظواهر الغش والاحتيال، وانتشار السرقات الإلكترونية عبر المنصات التي تُتيح الوساطة، نظرًا لكونها مرتعًا الحسابات المجهولة التي يصعب تعقّب أصحابها، وذلك بسبب عدم إلزام المنصات بتوثيق بيانات البائع والمشتري.

سادسًا: التوصيات

وبناءً على ما سبق، فإن على المنصات الإلكترونية التي تؤدي دور الوسيط – باعتبارها تأخذ حكم الوسطاء أو السماسرة في النظام – أن تلتزم بالآتي:

1) إلزام المستخدمين بتوثيق بياناتهم الرسمية (الهوية الوطنية، رقم الجوال الموثق، العنوان الوطني)، والتأكد من صحتها قبل إتاحة استخدام المنصة.
2) دمج الأحكام ذات العلاقة الواردة في مشروع نظام المعاملات التجارية مع نظام الوساطة في إطار نظام واحد متكامل، باعتبار أن الوساطة تمثل عملاً تجاريًا سواء تعلقت بعقارات أو منقولات.
3) وضع آلية فعالة لاستقبال البلاغات والشكاوى من المستخدمين، والتحقق منها، واتخاذ إجراءات حازمة بحذف الحسابات المشبوهة أو المتورطة في الاحتيال.
4) إصدار شارة توثيق (أيقونة) خاصة بالحسابات التي تم توثيق بياناتها الرسمية، بما يُسهم في تعزيز ثقة المستخدمين في التعامل مع تلك الحسابات، والحد من التعامل مع الحسابات الوهمية أو المجهولة.
من أكثر الوسائل ردعاً للضرر هو التزام الوسيط بتوثيق بيانات أطراف المبايعة وذلك لتسهيل دورهم في الرجوع في حالة الضرر، ولكن موفري الخدمات لم يهتموا بهذا الجانب الامر الذي أدى الى كثرة الغش والسرقة في منصات موفري الخدمات، فهي بؤرة الحسابات المجهولة والتي يصعب تعقبها وذلك بسبب عدم التزام المنصات بتوثيق بيانات الأطراف (البائع والمشتري). 

5) إلزام المستخدمين بتوثيق البيانات الرسمية والتأكد من توثيقها.

6) الجمع بين نصوص مشروع نظام المعاملات التجارية ونظام الوساطة وجمعها في نظام واحد، والوساطة عمل تجاري سواء وردت على منقول او عقار وتوحيد إجراءات السمسرة والوساطة.

7) استقبال البلاغات وحذف جميع الحسابات المشبوهة.

8) إصدار ايقونة تبين أن مالك هذا الحساب موثق بياناته الرسمي مما يعزز من ثقة العميل بالتعامل معه والابتعاد عن الحسابات الوهمية.

الخاتمة

تُعد مسؤولية الوسيط في المعاملات محدودة ضمن نطاق وساطته، إذ لا يكون ملزمًا بالتعويض عن المبيع أو العقد محل الوساطة، بل يقتصر التزامه في الغالب على رد أجرته في ظروف ضيقة ومحددة. وعند إجراء مقارنة بين نظام الاتحاد الأوروبي ونظام المملكة العربية السعودية بشأن مسؤولية الوسطاء الإلكترونيين، يتضح أن النظام الأوروبي يواجه تحديات في تطبيق الأنظمة على المنصات الرقمية. ساهم توجيه التجارة الإلكترونية (E-commerce Directive) والتشريع الحديث، وهو قانون الخدمات الرقمية (Digital Services Act)، في توفير قواعد واضحة تُبيّن دور الوسيط وشروط تمتع المنصات بالحصانة من المسؤولية. ومع ذلك، لا توجد في هذا النظام قواعد تلزم مقدمي الخدمات بتحمل المسؤولية المباشرة عند وقوع ضرر للبائع، مثل فقدان مستحقاته المالية، أو عند ضرر المشتري، كعدم وصول المنتج أو استلام منتج مقلد.

في المقابل، لم يُلزم نظام التجارة الإلكترونية ومشروع نظام المعاملات التجارية في المملكة العربية السعودية الوسطاء الإلكترونيين بتحمل التعويض عن الأضرار أو تنفيذ العقد المبرم بين الأطراف. ومع ذلك، يُعد نظام التجارة الإلكترونية من الأنظمة الحديثة التي تُراجع بشكل دوري بهدف تطويرها ومعالجة التحديات القانونية المستجدة. وتعمل معظم منصات الوساطة الإلكترونية مثل “حراج” وفقًا لمبدأ الوساطة التقليدية، ولا يُعاب عليها هذا المبدأ، لكن يُنتقد عليها عدم الالتزام بتوفير البيانات الدقيقة الخاصة بالمستخدمين، مما يُضعف حماية المستهلك ويفتح الباب أمام انتشار الإعلانات المضللة أو المنتجات المخالفة دون رقابة كافية أو مساءلة فعالة. ويُسهم توحيد إجراءات الوساطة الإلكترونية وتحديد مسؤولية مقدمي الخدمات الرقمية في تعزيز حماية المستهلك أولاً، ومنع الإعلانات المضللة ثانيًا، والتحقق من البائعين أخيرًا. ولبناء سوق رقمي محصّن، لا بد من إلزام مقدمي الخدمات بالتحقق من هويات المستخدمين، الأمر الذي سيساهم في تعزيز حماية المستهلك، ونمو الأسواق الرقمية بشكل قانوني ومحترف.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مدونة مقنن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading