نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي

الرئيسية/المقالات/نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي
١٦ يوليو ٢٠٢٦فريق مقننالثقافة والتوعية القانونية268 قارئ

نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي

نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي

نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي

بقلم: يزيد الاحمري

تدقيق: عبدالعزيز العيد

مقدمة:

تهدف هذه المقالة إلى تبسيط نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي، وشرحها بصورة ميسرة تساعد على فهمها دون الدخول في تعقيدات مطولة؛ نظرًا لكون نظرية الحق من الأسس الجوهرية التي ينبغي أن تستقر في ذهن المتخصص في القانون لأنها تعينه على فهم النصوص النظامية، وتكييف الوقائع تكييفًا صحيحًا ومعرفة موضع الحق وطبيعته وآثاره وقد جاء نظام المعاملات المدنية السعودي مؤصلاً لجملة من القواعد المرتبطة بالشخص والحق فقرر الشخصية القانونية للإنسان منذ بدايتها وحتى إنتهائها ونظّم ما يترتّب عليها من أهلية وإكتساب للحقوق وتحمل للالتزامات، كما بيّن الحقوق التي قد تثبت للشخص سواءً أكانت حقوقًا مالية أم غير مالية، وتندرج الحقوق المالية بوجه عام بين الحقوق الشخصية والحقوق العينية.

ومن هذا المنطلق، أخذكم في رحلة معرفية مبسطة داخل نظرية الحق وفق نظام المعاملات المدنية السعودي؛ نقترب فيها من مفهوم الحق وتقسيماته وموقعه في البناء القانوني وبعيدًا عن التعقيد وبما يسهّل فهم الفكرة وتطبيقها في الواقع القانوني.

أولًا: تعريف الحق

تعددت التعاريف التي تناولت مفهوم الحق واختلف الفقهاء في تحديد معناه إختلافًا واسعًا إلا أنه بالرجوع إلى المصادر الثانوية يتبيّن أن هناك عددًا من التعاريف التي حاولت بيان جوهر الحق وطبيعته؛ فقد عُرّف الحق من كتاب علم أصول القانون للسنهوري بأنه:

القدرة أو سلطة إرادية يخوّلها القانون لشخص ما تمكّنه من القيام بأعمال معيّنة تحقيقًا لمصلحة له يحميها القانون.

ومن مضمون هذا التعريف يتضح أن الحق لا يعني مجرّد رغبة أو مصلحة شخصية، وإنما هو سلطة يقرّرها القانون لشخص معيّن تمكّنه من مباشرة عمل أو المطالبة بمصلحة يحميها النظام.

كما جاء في موضع آخر في كتاب الدكتور محمد البديرات المدخل في دراسة القانون أن الحق هو:

ميزة يمنحها القانون لشخص ما ويحميها بوسائل قانونية وبمقتضاها يتصرف الشخص متسلطًا على المال معترف له به بصفته مالكًا أو مستحقًا له.

والمقصود بتسلّط الشخص على المال هنا ليس مجرّد السيطرة المادية أو الواقعية على الشيء وإنما اختصاص قانوني مشروع يمنح صاحبه سلطة معترفًا بها نظامًا بحيث يستطيع إستعمال هذا المال أو الإنتفاع به أو المطالبة به أو منع الغير من الإعتداء عليه بحسب طبيعة الحق وحدوده ومن ثم فإن فكرة الحق تكمن في استئثار الشخص الذي يكون له مركز قانوني خاص على شيء أو مصلحة يحميه القانون ويمنحه وسائل الدفاع عنه.

وقد عالج نظام المعاملات المدنية السعودي مسألة إستعمال الحق وحدود المسؤولية عنه، فنصّت المادة (الثامنة والعشرون) على أنه:

من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر.

باستقراء النص فإن الشخص متى مارس حقه في حدوده المشروعة ولم ينحرف به إلى قصد الإضرار أو التعسف فإنه لا يكون مسؤولاً لمجرّد أن إستعماله لهذا الحق ترتّب عليه ضرر بالغير.

ومن هنا تظهر الصلة الوثيقة بين الحق والقانون؛ فالحق لا يقف عند كونه فكرة مجردة أو مصلحة قائمة بذاتها، وإنما يكتسب أثره القانوني متى اعترف به القانون وحدد نطاقه وقرر وسائل حمايته وفي المقابل لا ينفصل القانون عن فكرة الحق، لأنه الأداة التي تضبط الحقوق وتنظم إستعمالها وتمنع الانحراف بها عن غايتها، لذلك فإن دراسة نظرية الحق لا تكتمل إلا بفهم هذه العلاقة؛ فالقانون يمنح الحق صورته المنظمة والحق يمثّل إحدى الغايات التي يسعى القانون إلى تقريرها وصيانتها.

ثانيًا: أنواع الحقوق

جاء في المادة (الخامسة والعشرون) من نظام المعاملات المدنية على أنه:

يكون الحقُّ الماليُّ شخصيًّا أو عينيًّا.

إلا أن بيان أنواع الحقوق لا يقتصر إبتداءً على هذا التقسيم وحده؛ إذ يُستحسن إبتداءً قبل الدخول في تقسيم الحقوق المالية إلى شخصية وعينية أن نعرض التقسيم العام للحقوق من حيث طبيعتها، فهي إما حقوق غير مالية، أو حقوق مالية؛ وبيان ذلك على النحو الآتي:

  1. الحقوق غير المالية:

هي الحقوق التي لا تُقوم بذاتها بالمال، ولا يكون محلها مصلحة مالية مباشرة، وإنما تتصل بشخص الإنسان أو بمركزه الأسري أو السياسي أو الأدبي ومن ثم لا يصح التنازل عنها أو التصرف فيها بمقابل أو بدون مقابل.

ومع ذلك، فإن الإعتداء على هذه الحقوق قد يترتّب عليه ضرر يستوجب التعويض، فينشأ في ذمة المعتدي إلتزام مالي بجبر الضرر الذي لحق بالمضرور، ولا يعني الحكم بالتعويض أن هذه الحقوق أصبحت حقوقًا مالية، وإنما المقصود أن التعويض يكون أثرًا مترتبًا على المساس بها؛ وتنقسم الحقوق غير المالية على النحو الآتي:

الحقوق السياسية:

هي الحقوق ذات الطبيعة الدستورية التي تثبت للمواطن بموجب جنسيته وتمكنه من المشاركة في الشأن العام في الحدود التي تقرّرها الأنظمة ومن أبرز صورها في التنظيم السعودي؛ حق المشاركة في إختيار أعضاء المجالس البلدية وتولّي الوظائف العامة والمساهمة في إدارة الشأن العام وفق ما تقرّره الأنظمة واللوائح.

وهي كما تقدم مرتبطة بالجنسية، فلا تثبت لغير المواطن.

الحقوق اللصيقة بالشخصية:

هي حقوق تثبت للإنسان لمجرّد كونه إنسانًا، وتلازمه ولا تقبل الإنفصال عنه أو التصرف فيها، وتشمل ما يتصل بكيانه المادي من حيث حماية جسده وسلامته وإحترام وجوده، وما يتصل بكيانه المعنوي من حيث صون شرفه وسمعته واعتباره، إضافة إلى الحق في الخصوصية بما يكفل سرية حياته الشخصية ومراسلاته ومحادثاته، كما تمتد لتشمل ما يرتبط بنشاط الإنسان وحرياته الأساسية كالتنقل والعمل والتملك والتعليم.

حقوق الأسرة:

هي حقوق تنشأ عن الروابط العائلية وتندرج ضمن الأحوال الشخصية وتكون في الغالب غير مالية، مثل حق الزواج وحسن المعاشرة والحضانة وتهدف إلى تنظيم العلاقات داخل الأسرة وتحقيق الإستقرار بين أفرادها، وفي المملكة تنظّم هذه الحقوق بشكل مستقل بموجب نظام الأحوال الشخصية السعودي المستمد من الشريعة الإسلامية، بخلاف بعض الأنظمة التي تضم مسائل الأسرة ضمن القوانين المدنية في شقها المالي إلى جانب تنظيم المعاملات، وهو ما يبرز تميّز التنظيم السعودي باستقلال هذا المجال عن الإطار المالي البحت.

2. الحقوق المالية:

هي الحقوق التي تقوم بالمال ويمكن تقديرها بالنقود وتكون لها قيمة اقتصادية واضحة.

وهي على خلاف الحقوق غير المالية؛ إذ يكون محلها مصلحة مالية مباشرة تدخل في الذمة المالية للشخص وتعد هذه الحقوق جوهر التعاملات المالية بين الأفراد، لارتباطها بالملكية والانتفاع والمطالبة والالتزامات ذات القيمة المالية.

وقد نصّت المادة (الخامسة والعشرون) من نظام المعاملات المدنية كما أسلفنا على أنه:

يكون الحقُّ الماليُّ شخصيًّا أو عينيًّا.

وبناءً على ذلك فإن الحقوق المالية تنقسم إلى نوعين رئيسيين، وذلك على النحو الآتي:

الحقوق الشخصية:

هي رابطة قانونية بين شخصين أحدهما دائن والآخر مدين، يلتزم بموجبها المدين تجاه الدائن بأداء معيّن ذي طبيعة مالية يتمثل في القيام بعمل أو الإمتناع عن عمل ويقوم الحق الشخصي على ثلاثة عناصر:

صاحب الحق (الدائن)، ومن عليه الإلتزام (المدين)، ومحل الحق وهو الأداء الواجب.

ومن أمثلتها؛ حق الدائن في مطالبة مدينه بسداد مبلغ من المال، وحق المستأجر في مطالبة المؤجر بتمكينه من الإنتفاع بالعين المؤجرة، حيث يلتزم المدين بأداء محل الإلتزام ذاته، سواءً كان دفع مبلغ من المال أو تمكين المستأجر من الإنتفاع بالعين المؤجرة.

الحقوق العينية:

هي حقوق ترد على شيء معين وتمنح صاحبها سلطة مباشرة عليه تخوّله إستعماله واستغلاله والتصرف فيه دون وساطة من أحد، وذلك في حدود ما تقرّره الأنظمة.

ومن أبرز أمثلتها حق الملكية؛ فمالك المنزل يثبت له حق عيني يتيح له سكنه أو تأجيره أو بيعه وأيضًا صاحب المركبة ما دام هذه العين معيّنة بالذات سواءً كانت عقارًا أم منقولًا، وينقسم الحق العيني إلى قسمين:

حقوق عينية أصلية:

تشمل حق الملكية، وهو أوسع الحقوق العينية نطاقًا، إذ يخوّل صاحبه سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف في الشيء، وذلك في حدود ما تقرّره الأنظمة.

كما تشمل الحقوق المتفرعة عنه، مثل حق الإنتفاع، وهو حق يخوّل صاحبه الإنتفاع بعين مملوكة للغير واستغلالها لمدة محددة دون التصرف في أصلها، وكذلك حق الحكر بوصفه حقًا عينيًا يرد على العقار وفق ما تنظّمه الأنظمة.

ومن الحقوق العينية الأصلية أيضًا حقوق الارتفاق، وهي حقوق تقرّر لمنفعة عقار على عقار آخر، ومن أمثلتها؛ حقّ المرور وحقّ الطريق وحقّ المطل وحقّ الجدار المشترك وحقّ المجرى وحقّ المسيل.

حقوق عينية تبعية:

هي حقوق تقرّر على مال معين ضمانًا لحق شخصي، وتمنح صاحبها سلطة مباشرة على هذا المال لاستيفاء حقّه وتوصف بأنها تبعية لأنها لا تقوم بذاتها، بل تستند في وجودها إلى الحق الشخصي الذي تقررت لضمانه، فتدور معه وجودًا وعدمًا؛ فلا توجد إلا بوجوده، ولا يتصور بقاؤها بزواله، ومن أبرز أمثلتها؛ الرهن الرسمي والرهن الحيازي وحقّ الامتياز.

وخلاصة ذلك أن تقسيم الحقوق إلى غير مالية ومالية يعد مدخلًا أساسًا لفهم ما نصّت عليه المادة (الخامسة والعشرون) من نظام المعاملات المدنية، حيث يتضح من خلاله نطاق الحقوق المالية وتمييزها بين الحقوق الشخصية والعينية.

الخاتمة:

بعد أن استعرضنا مفهوم الحق وأنواعه، يتضح أن الإحاطة بهذه المسألة تُعد من الأسس التي يجب أن تستقر في تكوين القانوني؛ إذ إن ضعف تصوّر أنواع الحقوق قد يؤدي إلى خلل في التكييف النظامي، سواءً عند تقديم الإستشارات أو عند صياغة العقود.

وقد تبيّن أن الحق هو سلطة يقرّها النظام لشخص على شيء أو على آخر، وأنه ينقسم إلى حقوق غير مالية وحقوق مالية، وتنقسم الأخيرة إلى حقوق شخصية تقوم على رابطة بين دائن ومدين، وحقوق عينية تخوّل صاحبها سلطة مباشرة على الشيء، وتنقسم بدورها إلى أصلية وتبعية بحسب استقلالها أو ارتباطها بضمان حق آخر.

كما تم ربط هذه التقسيمات وتطبيقها على ما ورد في نظام المعاملات المدنية، بما يعزّز الفهم التطبيقي لها في البيئة النظامية السعودية.

وأتمنى أن أكون قد وُفِّقت في تبسيط هذه المسألة، على الرغم من أنها من أدق وأصعب الموضوعات التي يمكن تبسيطها.


مشاركة هذا المقال:

هل كان هذا المحتوى مفيداً لك؟

تقييمك يساعدنا على تقديم محتوى قانوني أكثر تميزاً ودقة

التقييمات والتعليقات السابقة (3)

عبد الرحمن الشمريمنذ يومين
مفيد جداً

شرح وافٍ ومبسط جداً للأنظمة الجديدة. سهل عليّ فهم الإجراءات إلكترونياً. شكراً لكم على هذا الجهد المميز.

سارة القحطانيمنذ 5 أيام
مفيد

مقال ممتاز وقيم. أرجو إضافة المزيد من التفاصيل حول اللوائح التنفيذية المرتبطة بالموضوع في التدوينات القادمة.

م. خالد الهذليمنذ أسبوع
متوسط

مفيد ومختصر، غطى الجوانب العملية والتحديثات القانونية بشكل جيد جداً.

مقالات ذات صلة

تاريخ السلطة التنظيمية وقوة الأدوات النظامية في السعوديةالثقافة والتوعية القانونية
١٦ يوليو ٢٠٢٦كاتب

تاريخ السلطة التنظيمية وقوة الأدوات النظامية في السعودية

تساعد هذه المقالة على فهم طبيعة الأدوات النظامية في المملكة العربية السعودية، والتمييز بين الأمر الملكي والمرسوم الملكي وقرار مجلس الوزراء والأمر السامي، ومعرفة أثر كل أداة في قوة النصوص النظامية وتدرجها وتعديلها وتطبيقها، مما يعزز قدرة المختص القانوني على قراءة الأنظمة والقرارات وفهم مصادر قوتها وآثارها العملية.

قراءة المزيد
عقد إيجار الأرض الزراعية في نظام المعاملات المدنية السعوديالثقافة والتوعية القانونية
١٦ يوليو ٢٠٢٦كاتب

عقد إيجار الأرض الزراعية في نظام المعاملات المدنية السعودي

توضح هذه المقالة الأحكام النظامية المنظمة لعقد إيجار الأرض الزراعية في نظام المعاملات المدنية السعودي، بما يساعد القارئ على فهم حقوق والتزامات المؤجر والمستأجر، ومعرفة ضوابط تأجير الأراضي الزراعية، وأحكام المحاصيل والهلاك وانتهاء العقد، بما يسهم في تجنب النزاعات وتعزيز الوعي القانوني في التعاملات الزراعية.

قراءة المزيد
هل الإلمام بالنصوص القانونية كافٍ لنجاح عملية التفاوض؟الثقافة والتوعية القانونية
١٦ يوليو ٢٠٢٦كاتب

هل الإلمام بالنصوص القانونية كافٍ لنجاح عملية التفاوض؟

توضح هذه المقالة أن نجاح التفاوض القانوني لا يعتمد على المعرفة بالنصوص فقط، بل يتطلب مهارات إنسانية مثل الذكاء العاطفي وإدارة الحوار وفهم مواقف الأطراف، مما يساعد القانونيين على تطوير أساليب الإقناع، وحل النزاعات بفاعلية، والوصول إلى اتفاقات أكثر توازنًا واستدامة.

قراءة المزيد
مهارة البحث القانونيالثقافة والتوعية القانونية
١٦ يوليو ٢٠٢٦كاتب

مهارة البحث القانوني

تساعد هذه المقالة على التعرف على أهمية مهارة البحث القانوني وأساليب تطويرها، وفهم مصادر المعرفة القانونية وخطوات الوصول إلى حلول نظامية دقيقة، مما يعزز قدرة القانونيين والباحثين على تحليل النصوص ومواكبة التطورات التشريعية وإعداد الدراسات والمذكرات القانونية بكفاءة.

قراءة المزيد
تواصل معنا مباشرة