أولًا: التعريف بفلسفة القانون:
فلسفة القانون: هي فرع من فروع الفلسفة العامة تعنى بشكل خاص في القانون، ولذلك علينا أن نعرف الفلسفة العامة بشكل موجز، ثم نخوض في فرعها.
الفلسفة العامة: هي علم الأصول أو الكليات المتعلقة بالكون، وتتناول الفلسفة العامة ثلاث موضوعات الوجود والمعرفة والعمل، وتُصنف فلسفة القانون ضمن الموضوع الثالث “الفلسفة العملية”، ولم يكن الفلاسفة القدامى يميزون بين الأخلاق والقانون، فقد تناولوا فلسفة القانون ضمن فلسفة الأخلاق لكون القانون في نظرهم مرتبطًا بالمُثل العليا.
فلسفة القانون: هي علم أصول القانون وأسسه العامة المشتركة بين جميع النظم القانونية، أي الأصول والأسس العامة التي تحدد ماهية القانون وأهدافه في كل مكان وزمان، فهو لا يخوض في الأحكام القانونية التفصيلية.
العلاقة بين فلسفة القانون والعلوم الأخرى
علم القانون:
فلسفة القانون تعنى بدراسات كليات القانون واستخلاص أسسه ومبادئه العامة، ولدراسة كلياته العامة لابد من الإلمام بجزئياته أولاً، فنحتاج علم القانون لنستخلص المبادئ العامة من جزئيات وتطبيقات القانون.
تاريخ القانون:
الفلسفة في أصلها هي نظرية مبنية على المشاهدة والتجربة، فنلجأ إلى تاريخ القانون للخوض في جميع التجارب السابقة لاستنباط نشأة النظم القانونية وتطورها وتحديد العوامل المؤثرة فيها.
القانون المقارن:
نلجأ إلى علم القانون المقارن عن طريق مقارنة التشريعات ببعضها للوصول إلى أسس القانون ومبادئه العامة المشتركة بينهم.
أهمية دراسة فلسفة القانون:
تساهم فلسفة القانون في وضع الأسس التي يقوم عليها القانون في ظل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لضمان تحقيق غايته؛ فقد ساهمت فلسفة القانون على مر العصور التاريخية في توجيه النظم القانونية، فانطلقت بدايةً من اليونانيين الذين أقروا بأهمية وضع أسس ومبادئ يقوم عليها النظام القانوني، وساهمت أيضًا فلسفة القانون في إضافة عناصر جديدة وفقًا للمتغيرات على مر التاريخ.
ثانيًا: نشأة الفكر القانوني
لنبحث في تاريخ النظم القانونية لا بد من أن نعود إلى عصور الإنسان الأولى، فالفكر الإنساني منذ القدم خاض في فكرة القانون مُؤكدا بذلك حاجة كامنة في النفس البشرية لـنظام يحكم سلوك مجتمعاتهم.
فالفكر القانوني هو دراسة التحليل والتأصيل لتاريخ الفكر الفلسفي وتطوره عبر التاريخ الإنساني، فهو عمل فلسفي في فهم المشكلات الواقعة ووضع حلول لتلك المشكلات، ومن ذلك المنطلق خاض الفكر الفلسفي في أحد المفاهيم المهمة منها فكرة القانون وفكرة العدالة، فالتطور الحالي للنظم القانونية مُحكم وفقًا لأسس ومبادئ نتيجة فكر قانوني فلسفي سابق.
نشأ الفكر القانوني عند اليونانيين انطلاقًا من الفلسفة العامة، وتناولت الفلسفة العامة ضمن موضوعاتها فكرة القانون وأسسه التي ينبني عليها النظام القانوني، فتوصل فلاسفة اليونان إلى أهمية وجود النظام القانوني الذي يحفظ حقوق الناس، فالقانون على مر الأزمنة قد يطرأ عليه تعديلًا وفقًا للمتغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية التي تحدث في المجتمع؛ ومن هنا استنتج اليونانيون أهمية وجود أسس ومبادئ موحدة يقوم عليها النظام القانوني لاستمرارية تحقيق العدالة.
فكرة القانون عند الفلاسفة:
قد عرف العديد من الفلاسفة القانون بأنه:
فيثاغورس:
“القانون هو اتفاق قائم بين أفراد الجماعة”
سقراط:
“القانون هو حقيقة مطلقة واجبة، هدفه تنظيم المجتمعات”
أفلاطون:
“القانون هو مجموعة القواعد التي تهدف إلى تحقيق العدل”
أرسطو:
“القانون هو عقل مجرد من العاطفة”
بدأ الفلاسفة اليونانيون بدايةً في تحديد أصل القانون، وقد توصلوا إلى أن القانون ينقسم من حيث أصله إلى قسمين: القسم الأول القانون الطبيعي وهو القانون الإلهي، والقسم الثاني هو القانون الوضعي وهو القوانين التي وضعها البشر.
وتطرقوا ثانيةً في تحديد غاية القانون، فانقسموا إلى فريقين: الفريق الأول رأى أن الغاية من القانون هي تحقيق مصلحة الفرد أي تقديم مصلحة الفرد على الجماعة، والفريق الثاني مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو اتجهوا إلى اعتبار أن الغاية من وضع القانون هي تحقيق مصلحة الجماعة أي تقديم الجماعة على الفرد.
فكرة العدالة عند الفلاسفة:
اختلفت وتعددت فكرة العدالة عند الفلاسفة ولكننا سنذكر أبرز المفاهيم أهميةً منها:
العدالة عند أفلاطون: هي الغاية من وضع القانون، فقد عرف العدالة بأنها: “المنطق الإنساني السليم لضبط التوازن في سلوكيات الأفراد”.
العدالة عند أرسطو: هي فضيلة اجتماعية تقوم على المساواة، فقد عرف أرسطو العدالة بأنها: “فضيلة أخلاقية، تتجسد في القضاء بالحق، فالعادل والمنصف هو القانوني، والظلم هو كل ما يناقض قواعد العدالة”.
واستنتج أرسطو أن العدالة لها صور مختلفة منها:
العدالة التبادلية:
هي العدل في العلاقات المتبادلة بين الأفراد، وأساسه المساواة ومقتضاه تقدير الأشياء والأفعال، فالأفراد المتعاملين فيه جميعهم متساوون لا فرق بينهم، فكل طرف مساو للآخر، وسميت عند أرسطو بالمساواة الحسابية فلا يُعطى لأحدهما إلا بقدر ما يأخذ منه.
العدالة التوزيعية:
هي توزيع الدولة للأموال والمراتب والمناصب بين مواطنيها، فلا يُعطى كل فرد مثلما يعطى للآخر، لأن الأفراد تتفاوت مراكزهم، فلا يُعطى الشخص إلا بقدر كفاءته، وسماها أرسطو بالمساواة الهندسية، فهي لا تقتضي المساواة فحسب، وإنما هي توزيع استحقاق الأفراد حسب مكانتهم ووظائفهم في المجتمع.
فكرة الدولة عند الفلاسفة:
ارتبطت السياسة في فلسفة القانون منذ القدم؛ ولذلك نرى أن الفلاسفة اليونانيين لم يفرقوا بين القانون والسياسة باعتبار كل منهما مكملًا للآخر، فالدولة هي من تضع القانون والغاية من وضع القانون هو تحقيق العدالة للأفراد، فاعتبروا القوانين أحد أهم العوامل الأساسية لتنظيم الدولة، وأن القانون هو السلطة العليا التي تعلو على الأفراد والهيئات.
الدولة عند أفلاطون:
بدأ مفهوم الدولة عند أفلاطون نتيجة تصور مُخيلته للدولة الأفلاطونية “الجمهورية الفاضلة” وغاية هذه الدولة تحقيق المصلحة العامة لأفرادها، فالدولة عند أفلاطون هي ظاهرة طبيعية نشأت بسبب تعدد حاجات الأفراد وحاجتهم إلى من يحقق لهم احتياجاتهم المتعددة، ويقول أفلاطون:
“الدولة وجدت نتيجة عدم مقدرة الفرد على الاستقلال بنفسه وبسبب حاجته المستمرة إلى المساعدة، فالدولة أو المدينة أو المجتمع يجتمع فيها الناس ليُكمل كل فرد فيهم النقص عند الآخر، فالمنفعة تتحقق بالجماعة لا بالفرد وحده”.
الدولة عند أرسطو:
اعتبر المنفعة العامة شرطًا أساسيًا لفكرة الدولة ودستورها، وتطرق لفكرة اكتساب الشخص لصفة المواطن، فلا يكتسب الشخص هذه الصفة بمجرد الإقامة في الدولة، وإنما يكتسبها حسب مشاركته في الدولة، فالمواطن عند أرسطو هو من يمكنه تولي القضاء والاشتراك في السلطة الاستشارية والقضائية.
خاتمة
يتضح من هذه المقالة أن فلسفة القانون تمثل الأساس الفكري الذي يقوم عليه القانون، إذ تبحث في أصوله ومبادئه العامة وغاياته، بينما يوضح الفكر القانوني الفلسفي كيف تطورت هذه المبادئ عبر التاريخ حتى أصبحت أساسًا للنظم القانونية الحديثة. كما تُبرز الدراسة إسهامات الفلاسفة اليونانيين في ترسيخ مفاهيم القانون والعدالة والدولة، وبيان العلاقة الوثيقة بينها، مع التأكيد على أن تحقيق العدالة والمصلحة العامة ظل الهدف الأسمى للقانون على اختلاف العصور. ومن ثم فإن فهم فلسفة القانون والفكر القانوني يعد خطوة أساسية لفهم طبيعة التشريعات وتطورها، واستيعاب الأسس التي تستند إليها النظم القانونية في الماضي والحاضر.



