العنف اللفظي هل هو مجرد كلمات؟

الرئيسية/المقالات/العنف اللفظي هل هو مجرد كلمات؟
١٦ يوليو ٢٠٢٦فريق مقننالجرائم المعلوماتية1 قارئ

العنف اللفظي هل هو مجرد كلمات؟

العنف اللفظي هل هو مجرد كلمات؟

العنف اللفظي هل هو مجرد كلمات؟

بقلم: رغد الشمري

تدقيق: رنا آل قاسم – عبدالعزيز العيد

مقدمة:

يُعدّ اللسان ترجمان العقل ومرآة الفكر غير أنه في كثير من الأحيان قد يتحول من أداة للتواصل الإنساني إلى وسيلة لبث الأذى وتكريس العنف.

وعلى نقيض الإعتقاد السائد بأن العنف يقتصر على التعدي المادي الملموس يأتي العنف اللفظي كأحد أخطر صور الإنتهاكات المعنوية التي تستهدف كرامة الإنسان وتوازنه النفسي مُخلفًا آثارًا قد لا تمحوها الأيام.


قال الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

وقال الشاعر طرفة بن العبد:
«وإن لسانَ المرءِ ما لم تكن لهُ
حصاةٌ على عوراتهِ لدليلُ».

ومن هنا تثور عدة تساؤلات:

  • هل العنف يكون جسديا فقط؟

  • وهل يمكن للكلمات أن تقود صاحبها إلى ما وراء القضبان؟

  • وهل تُنسى الكلمات بعد أن تُقال؟

  • وما أثرها النفسي والقانوني؟

عزيزي القارئ، لعلّ هذه التساؤلات وغيرها تدور في ذهنك الآن ربما كنت شخصًا قانونيًا تدرك تبعات الألفاظ وما يترتّب عليها من آثار وربما كنت غير مختص ولا تعلم ذلك وهذا المقال موجه إلى الفئة الأخيرة على وجه الخصوص وبسم الله نبدأ يقول الدكتور نيفرت تارحان وهو عالم وطبيب نفسي تركي بارز، في أحد مقالاته:

“من سمات الشخص العنيف أنه ينتقد الشخص الآخر كثيرًا وهذا أيضًا شكل من أشكال العنف النفسي، فالشخص الذي يكثر من الإنتقاد يخلق لدى الآخر شعورًا بأنه شخص متفوق ومهم يمكنه أن ينتقد وغالبًا ما يعتقد مثل هؤلاء الأشخاص أن الاعتراض على نقدهم هو اعتراض على تفوقهم وهنا يبدأ صراع الشخصية”.

وسأبدأ الحديث من أخف صور العنف اللفظي إلى أشدها.

أولًا: التنمر اللفظي

يُعد التنمر اللفظي من أصعب وأخطر أنواع التنمر؛ لأنه غالبًا ما يكون صعب الإثبات وكثيرًا ما يحدث في المدارس.

وقد نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) مقالًا بعنوان “التنمر”، عرّفته فيه بأنه:

أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر أو إزعاجه بطريقة متعمدة ومتكررة وقد يأخذ التنمر أشكالًا متعددة مثل نشر الشائعات أو التهديد أو مهاجمة الطفل بدنيًا أو لفظيًا أو عزله بقصد الإيذاء أو غير ذلك من
الأفعال التي قد تحدث أحيانًا بصورة غير ملحوظة.

وبرأيي أن هذا التعريف يمكن أن يشمل جميع الأعمار وليس الأطفال فقط.

عزيزي القارئ، إن للتنمر أنواعًا متعددة، منها:

البدني، والاجتماعي، والنفسي، والإلكتروني، إلا أن حديثي في هذا المقال يقتصر على التنمر اللفظي مثل، الشتائم والتحقير والسخرية وإطلاق الألقاب الجارحة والتهديد.


ربما كلمة تُقال في ممرات المدرسة أو في الجامعة أو في بيئة العمل قد تؤثر في يوم شخصٍ ما، بل ربما في حياته كلها؛ فنحن لا نعلم ما الذي يمرّ به الآخرون وتخيّل أيضًا أن يعاب شخص على أمر لا قدرة له على تغييره، مثل، عِرقه أو شكله أو لغته أو حالته الاجتماعية.

ثانيًا: العنف اللفظي الأسري

“أنتِ قبيحة”، “فلانة أفضل منك”، “فاشل”، “جبان”، “لا فائدة منك”…

مثل هذه العبارات تُعد من أخطر صور العنف اللفظي؛ لأنها تبدأ من البيئة الأولى للإنسان وهي الأسرة.

حتى بين الأزواج، نجد أن من أكثر أسباب الطلاق شيوعًا سوء الألفاظ وغياب الإحترام المتبادل.

وقد ذكرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في الدليل التعريفي للعنف الأسري أن:

“الإساءة اللفظية تحدث عندما يستخدم شخص ما لغة مسيئة، سواءً كانت محكية أو مكتوبة أو مرسومة بأيّ شكل بقصد إلحاق الضرر بالفرد أو الحط من كرامته أو تحقيره.”

ثالثًا: العنف اللفظي من المنظور القانوني

والآن نصل إلى المجال القانوني.


اسمح لي عزيزي القارئ أن استند هنا إلى الأنظمة في المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بهذا الموضوع، ولكن يجب التنويه إلى أن الألفاظ البذيئة المقصودة هنا هي السب والشتم، وليست القذف؛ فالقذف قضية مختلفة وأخطر وسردها يحتاج إلى تفصيل أطول وهو من أخطر صور التلفظ.


أما السب والشتم فقد عرّفه موقع نوماس للمحاماة بأنه:

الإهانة أو التحقير من شخص بألفاظ عامة دون المساس بشرفه أو عرضه، فالسب والشتم مصطلح واسع يشمل أيّ إهانة لفظية تتضمن كلمات أو تعابير بذيئة أو سوقية لذم شخص ما، دون أن تصل إلى حد الطعن في الشرف أو العرض.

كما نصّت المادة الثالثة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية على أنه:

يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلُّ شخص يرتكب أيًا من الجرائم المعلوماتية الآتية، ومن بينها:

  • 1- الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه.

  • 2- المساس بالحياة الخاصة عبر إساءة استخدام التقنيات.

  • 3- التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة.

وهذه الأحكام تتعلق غالبًا بالإساءة التي تقع عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الوسائل التقنية.

أما التلفظ بالألفاظ البذيئة فعقوبته في الغالب تعزيرية يقدّرها القاضي، وتعتمد على جسامة اللفظ والظروف المحيطة به وغالبًا ما تكون العقوبة بين التعهد أو الغرامة أو السجن لمدة قصيرة، والألفاظ درجات؛ فمنها ماهو أشد كالقذف وهو كما ذكرت من الجرائم الحدية ومنها ما هو أخف فتكون عقوبته تعزيرية.

وقد ذكر المحامي عبدالإله العمار في أحد مقاطعه على قناته في منصة اليوتيوب أن السب والشتم هو التلفظ بألفاظ سيئة تجاه شخص آخر كما أوضح نقطة مهمة تتعلق برفع الدعوى وهي أن الإساءة إذا كانت في مكان عام كوسائل التواصل الإجتماعي ويشاهدها عدد كبير من الناس فقد ترفع فيها دعوى بالحق العام أما إذا كانت الإساءة بين شخصين فقط دون إطلاع الآخرين فتكون غالبًا دعوى بالحق الخاص.

الخاتمة:

وهنا أيها القارئ أصل إلى ختام هذا المقال وأذكر نفسي وإياك بقول النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ:

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

اللهم اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك بعيدة عن كل قول يؤذي أو يجرح وأرزقنا الحكمة في كلامنا والصدق في حديثنا وحسن الخلق في تعاملنا.


مشاركة هذا المقال:

هل كان هذا المحتوى مفيداً لك؟

تقييمك يساعدنا على تقديم محتوى قانوني أكثر تميزاً ودقة

التقييمات والتعليقات السابقة (0)

لا توجد تقييمات أو تعليقات بعد. شاركنا رأيك وكن أول من يقيم هذا المقال!

مقالات ذات صلة

الجرائم المعلوماتية في السعودية: مفهومها وأركانها وطرق التبليغالجرائم المعلوماتية
١٦ يوليو ٢٠٢٦كاتب

الجرائم المعلوماتية في السعودية: مفهومها وأركانها وطرق التبليغ

تعرّف على مفهوم الجرائم المعلوماتية في السعودية، وأبرز صورها وأركانها وطرق إثباتها، بالإضافة إلى آليات التبليغ النظامية التي تساعدك على حماية حقوقك وتعزيز أمنك الرقمي.

قراءة المزيد
تواصل معنا مباشرة